Connect with us

الثقافة و الفن

فيصل أكرم: سر الغياب المتعمد ورؤيته للشعر والنقد الأدبي

في حوار عميق، يكشف الشاعر السعودي فيصل أكرم أسباب غيابه المتعمد عن الساحة الأدبية، متحدثًا عن تجربته الشعرية الفريدة وعلاقته بالنقد والمؤسسات.

Published

on

فيصل أكرم: سر الغياب المتعمد ورؤيته للشعر والنقد الأدبي

فيصل أكرم: شاعر العزلة الذي جعل من الغياب حضوراً

يُعد الشاعر السعودي فيصل أكرم واحداً من أبرز الأصوات الشعرية التي بزغت في تسعينيات القرن الماضي، وهي فترة شهدت تحولات كبرى في المشهد الثقافي العربي والسعودي على وجه الخصوص. برز أكرم كصوتٍ متفرد، ينسج قصيدته بعناية فائقة، ويختار عزلته الطوعية كفعل مقاومة ضد ضجيج الساحة الأدبية ومتطلباتها. في هذا الحوار، يكشف أكرم عن فلسفته في الحياة والكتابة، موضحاً أن غيابه ليس تغييباً قسرياً، بل هو اختيار واعٍ للحفاظ على جوهر الشعر ونقائه.

السياق التاريخي: جيل التسعينيات والتمرد على القوالب

لفهم تجربة فيصل أكرم، لا بد من العودة إلى سياقها التاريخي. شكلت فترة التسعينيات منعطفاً حاسماً في الشعر السعودي، حيث ظهر جيل جديد من الشعراء الذين تمردوا على الأشكال التقليدية وسعوا لاستكشاف آفاق جديدة، خاصة في قصيدة النثر. كان هذا الجيل، الذي ينتمي إليه أكرم، يسعى للتعبير عن ذات مهمشة وقلقة، متأثراً بالتحولات الاجتماعية والفكرية العالمية. في هذا المناخ، نحت فيصل أكرم مساره الخاص، متكئاً على تجربة حياتية قاسية ولغة شعرية شفافة وعميقة، مما جعله صوتاً لا يشبه إلا نفسه.

غياب متعمد أم تغييب قسري؟

عند سؤاله عن سر ابتعاده، يؤكد أكرم بشكل قاطع: “منذ بداياتي مطلع التسعينيات وحتى هذه الأيام… كنت وما أزال أتعمد الغياب وأشكو من التحضير لا التغييب!”. يروي كيف اعتذر عن فعاليات ومهرجانات عديدة، ليفاجأ لاحقاً بوجود اسمه ضمن المشاركين قسراً. بالنسبة له، “الغياب الناصع أحب إليّ وأكرم لي من الحضور أو التحضير المشوه أو المزيف”. يرى أكرم أن الكتابة فعل حيوي كالتنفس، لا يتوقف إلا بالموت، وما دون ذلك هو مجرد هوامش لا تؤثر في جوهر النص. وقد عززت جائحة كورونا قناعته بأهمية العزلة، حيث أدرك أن “بالهواء وحده يحيا الإنسان”، وأن طاقته الفكرية قد استُنفذت بعد أن كتب كل ما أراد قوله.

تجربة حياة صاغت “غابة مشتعلة”

لم تكن تجربة أكرم الشعرية منفصلة عن مسار حياته المليء بالفقد والمعاناة. يقول: “كُتب عليّ اليُتم صغيراً”، ويصف كيف كانت الوظيفة الحكومية حلماً تسلقه لـ”أقف على قدمي”. استغل وظيفته كـ”أمين مستودع” للكتابة والقراءة بنهم، قبل أن يقدم استقالته عام 1997 ليتفرغ كلياً للكتابة. هذه التجربة القاسية، إلى جانب أقدار أخرى مثل فشل زيجاته وفقدان أبنائه وهجرته الدائمة، شكلت شخصيته الشعرية. وحين سُئل كيف حافظ على صوته الخاص، أجاب ببلاغة: “لا يقتبس نار أي شموع من كانت حياته غابة مشتعلة بالنيران”.

الشعر في مواجهة المؤسسة والنقد الأكاديمي

يحمل فيصل أكرم رؤية حادة وصادمة تجاه المؤسسات الأدبية والنقد الأكاديمي. يصف علاقته بالمؤسسات بـ”غير المتناسقة”، معتبراً إياها تكتلات وهو “فرد غير قابل للتكتل”. أما موقفه من النقاد، فيلخصه بقوله لهم: “أحسنتم! وشكر الله سعيكم”. ويوضح أن هذا ليس استخفافاً، بل إيمان بأن الدراسات الأكاديمية مكانها الجامعات، متسائلاً بجرأة: “ماذا لو تم في دولة ما إلغاء دراسة الشعر في جامعاتها؟ لن تجد ناقداً يتعب نفسه في دراسة قصيدة!”. يرى أن الشعراء هم صناع اللغة الحقيقيون، ويميل إلى كتابات الشعراء عن بعضهم البعض، معتبراً إياها أكثر صدقاً وأهمية.

أهمية التجربة وتأثيرها المتوقع

تمثل تجربة فيصل أكرم ومواقفه دعوة لإعادة التفكير في علاقة المبدع بالمؤسسة والجمهور. في عصر تتسارع فيه الأحداث ويهيمن فيه الحضور الإعلامي، يطرح أكرم نموذجاً بديلاً للشاعر الذي يجد قيمته في نصه وعزلته لا في الأضواء. إن تأثيره لا يكمن في حضوره الجسدي، بل في قوة نصوصه التي تركت بصمة واضحة، وفي شهادات قامات أدبية كبيرة بحقه مثل غازي القصيبي وعبدالعزيز المقالح، والتي يعتبرها “شهادات أدبية” أضافته إلى ذاكرة الشعر. يختتم أكرم حواره بمرثية مؤثرة لصديقه الأخير الشاعر إلياس لحود، وكأنه يلخص رحلته مع الفقد والوحدة التي لازمته، تاركاً قصيدته شاهدة على حياة متخمة بالوجود رغم قصرها الزمني.

انطلقت شبكة أخبار السعودية أولًا من منصة تويتر عبر الحساب الرسمي @SaudiNews50، وسرعان ما أصبحت واحدة من أبرز المصادر الإخبارية المستقلة في المملكة، بفضل تغطيتها السريعة والموثوقة لأهم الأحداث المحلية والعالمية. ونتيجة للثقة المتزايدة من المتابعين، توسعت الشبكة بإطلاق موقعها الإلكتروني ليكون منصة إخبارية شاملة، تقدم محتوى متجدد في مجالات السياسة، والاقتصاد، والصحة، والتعليم، والفعاليات الوطنية، بأسلوب احترافي يواكب تطلعات الجمهور. تسعى الشبكة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتقديم المعلومة الدقيقة في وقتها، من خلال تغطيات ميدانية وتحليلات معمقة وفريق تحرير متخصص، ما يجعلها وجهة موثوقة لكل من يبحث عن الخبر السعودي أولاً بأول.

Continue Reading
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الثقافة و الفن

قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة

تحليل عميق لقصيدة ‘الراحلون’ التي تستكشف مشاعر الفقد والحنين. رحلة أدبية في كيفية تعامل الروح الإنسانية مع الغياب وأثر الراحلين في ذاكرتنا وأحلامنا.

Published

on

قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة

مقدمة: حين يتحدث الشعر عن الفقد

تُعد قصيدة “الراحلون” قطعة أدبية عميقة تغوص في جوهر واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إيلاماً وقوة: تجربة الفقد. بكلمات هادئة وحزينة، ترسم القصيدة لوحة للغياب، ليس كحدث عابر، بل كحالة وجودية مستمرة تؤثر في أرواح من بقوا. إنها تتجاوز الرثاء التقليدي لتقدم تأملاً فلسفياً في طبيعة الرحيل، والأسئلة التي يخلفها، والطريقة التي يستمر بها الراحلون في العيش داخل ذاكرتنا وأحلامنا.

السياق الأدبي: الفقد كثيمة خالدة في الأدب الإنساني

لم يكن موضوع الموت والفقد غريباً على الأدب العالمي، بل هو أحد أعمدته الأساسية. منذ ملحمة جلجامش وبحثه عن الخلود بعد فقدان صديقه أنكيدو، مروراً بمرثيات الخنساء في الشعر العربي التي خلدت أخاها صخراً، وصولاً إلى الأدب الحديث، كان الحزن على الراحلين محركاً للإبداع. تعمل هذه الأعمال الأدبية كمرآة تعكس قلق الإنسان الأزلي تجاه المجهول، وتعتبر وسيلة للتصالح مع حتمية الفناء. تأتي قصيدة “الراحلون” لتنضم إلى هذا التراث الإنساني العظيم، مقدمةً رؤيتها الخاصة لكيفية تفاعل الروح مع الفراغ الذي يتركه الغياب، وكيف يصبح الصمت لغة، والذكرى وطناً.

تحليل القصيدة: رحلة الصمت نحو المجهول

تبدأ القصيدة بوصف دقيق لحالة الرحيل، حيث يختار “حَادي الغِيابِ” أسماءهم بصوت خفيّ. هذا التصوير يمنح الرحيل طابعاً قدرياً لا مفر منه، وكأنهم يسيرون نحو مصيرهم بهدوء العارفين. يتقدمون “كالواثقينَ بسِفْرِ أوهامِ الحَياةِ”، في إشارة إلى إدراكهم لزيف الحياة الفانية مقارنة بالوجود الأبدي الذي يقصدونه. إنهم يغادرون لأن الأرض، بكل اتساعها، ضاقت بأحلامهم ورؤاهم، ولأنهم وجدوا طريقاً غامضاً يعدهم بالعودة إلى “غَيبِ البدايةِ”. هذا الجزء من القصيدة لا يصور الموت كهزيمة، بل كخيار فلسفي أو رحلة حتمية نحو أصل الوجود.

أثر الغياب: الفراغ الذي لا يملؤه إلا الحلم

يكمن التأثير الأكبر للقصيدة في وصفها الدقيق للحالة التي يعيشها الأحياء بعد رحيل أحبائهم. يصف الشاعر كيف أن الراحلين لم يتركوا وراءهم أي رسالة أو تفسير، “لمْ يكتُبوا لقلوبِنا سَطراً وَحِيداً”. هذا الانقطاع يخلق حالة من التيه والتساؤل، ويجعل من “التَّأمُّلُ في التماعاتِ السَّرابِ” الطريق الوحيد لمحاولة الوصل. لكن الأثر الأعمق يتجلى في الجزء الأخير، حيث يعود الراحلون في الأحلام “دُونَ سَابقِ مَوْعِدٍ”. هذه اللقاءات الحلمية، المليئة بالشوق والعناق، هي العزاء الوحيد المتبقي، لكنها مؤقتة وهشة، إذ “يتبخَّرونَ معَ الهَواءِ” عند بزوغ الصباح. هذا التناقض بين كثافة الحضور في الحلم وقسوة الاختفاء في الواقع يجسد ببراعة لوعة الفقد المستمرة، ويؤكد أن أثر الراحلين باقٍ فينا، حتى وإن غابت أجسادهم.

Continue Reading

الثقافة و الفن

تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش

اكتشف قراءة معمقة وتحليلية لقصيدة “لست أحفل بالمتاهة” للشاعر الفلسطيني محمود درويش، واستكشف معاني الذاكرة والمنفى والبحث عن الذات في شعره الخالد.

Published

on

تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش

مقدمة: صوت فلسطين الخالد

تُعد قصيدة “لستُ أحفل بالمتاهة” واحدة من الأعمال الشعرية العميقة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يُعتبر رمزاً من رموز الأدب العربي الحديث وصوت القضية الفلسطينية الأبرز في المحافل الدولية. نُشرت هذه القصيدة ضمن أعماله المتأخرة التي شهدت تحولاً في أسلوبه من الخطاب المباشر والمقاوم إلى التأمل الفلسفي والوجودي، حيث يغوص الشاعر في أعماق الذات الإنسانية متجاوزاً حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة، ليلامس هموماً إنسانية عالمية.

في هذه القصيدة، يتناول درويش مفاهيم معقدة مثل المعنى، الذاكرة، المنفى، والبحث عن وطن، ليس فقط ككيان جغرافي، بل كحالة استقرار روحي ونفسي. إنها تمثل مرحلة النضج الفكري التي وصل إليها الشاعر، حيث لم تعد المتاهة (رمز الضياع والتعقيد السياسي) هي شغله الشاغل، بل أصبح همه الأكبر هو البحث عن الخلاص الفردي ومعنى الوجود في ظل الفوضى المحيطة.

نص القصيدة: لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

يَصْطادُكَ المَعْنى

تُحاصِرُكَ القَصيدَةُ

ثُمَّ تَهْرُبُ صَوْبَ ما أَلِفَتْهُ ذَاكِرَةُ الخُطُوبِ

وكُلَّما سَيَّجْتَ ذاكِرَةً تَلَقَّفَكَ البَعيدُ

خُذْ مِنْ ظِلالِكَ خَوفَكَ الواهي

وخُذْ جَمْرَ احْتِمالِكَ

فالظِّلالُ يَخونُها جَسَدٌ طَريدُ

وإذا نَقَشْتَ جُلودَ عُمْرِكَ في العَراءِ المَحْضِ

خُذْ وَطَناً؛

فَإِنَّ العُمْرَ بِيدُ

غَيْباً صَحِبْتُكَ يا نَشيدُ

وكُنْتُ فِيكَ أُرَاوِغُ الفَوضى القَديمَةَ

أو أُرَاوِغُ آخَراً يَرْمي بِأَحْجَارِ النُّبوءَةِ في السِّلالِ

فَفِيمَ تَتْرُكُني وَحِيداً يا نَشِيدُ؟!

سَأَفُكُّ قَيْدَ وِشَايَةٍ عَلِقَتْ بِحَبَّاتِ الرِّياحِ

وأَحْتَمي بالبَابِ والأَقْفَالِ والدُّورِ الكَسيحَةِ

فالوِشَايَةُ سَوْفَ يَحْمِلُها البَرِيدُ

سأقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:

كُنْتُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

قَبْلَ أَنْ تَلِجَ المتاهَةُ دَرْبَنا الليْلِيَّ

ثُمَّ أقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:

لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

بعد أَنْ كَفَرَ المُرِيدُ

وغداً إذا أَلْقَيْتَ موسيقَاكَ في صَحْراء موحِشَةٍ

تَأَمَّلْ صَوْتَكَ المَبْحوحَ في حُزْنِ الكَمَانِ

وصَوْتَكَ المَبْحوحَ في إيقَاعِ أُغْنِيَةٍ

ورَتِّلْ ما يُحاوِلُهُ الحَزِينُ وما يُحاوِلُهُ السَّعِيدُ

واخْلَعْ نِعَالَكَ قَبْلَ أَنْ تَطَأَ السَّلالِمَ

رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ هَشاشَةٌ

أو رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ رَتابَةٌ

في الحالَتَيْنِ سَلالِمُ المَوْتى تَحِيدُ ولا تَحِيدُ.

الأهمية والسياق: من المقاومة إلى الوجودية

تكمن أهمية هذه القصيدة في أنها تعكس تطور فكر محمود درويش. فبعد عقود من كتابة “شعر المقاومة” الذي ارتبط باسمه، بدأ درويش في استكشاف أبعاد جديدة للوجود الإنساني. “المتاهة” هنا ليست فقط متاهة السياسة والصراع الفلسطيني، بل هي متاهة الحياة نفسها، والبحث عن اليقين في عالم مليء بالشكوك. عندما يقول “لستُ أحفل بالمتاهةِ بعد أن كفر المريد”، فهو يعلن عن حالة من التعب الفلسفي والتحرر من الأيديولوجيات التي لم تعد تقدم إجابات شافية، سواء كانت سياسية أو فكرية.

التأثير العالمي لشعر درويش

لم يكن تأثير محمود درويش محلياً أو إقليمياً فقط، بل امتد ليشمل العالم بأسره. تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية العالمية. لقد نجح درويش في تحويل التجربة الفلسطينية من مجرد قضية سياسية إلى ملحمة إنسانية عن فقدان الوطن والبحث عن الهوية، وهو ما جعل شعره يتردد صداه لدى كل من عانى من الظلم أو شعر بالغربة في هذا العالم. قصائد مثل “لستُ أحفل بالمتاهة” تساهم في ترسيخ هذا البعد العالمي، حيث يجد القارئ من أي ثقافة صدى لمشاعره الخاصة في كلمات الشاعر عن الضياع، الذاكرة، والأمل الخافت.

Continue Reading

الثقافة و الفن

إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه

بعد صدور أعماله الكاملة، نستحضر إرث الشاعر السعودي محمد بن زايد الألمعي. قصيدة رثاء مؤثرة تحتفي بمسيرته الأدبية وتأثيره في المشهد الثقافي.

Published

on

إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه

في خطوة ثقافية هامة، صدر ديوان الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعودي الراحل محمد بن زايد الألمعي، ليجمع بين دفتيه مسيرة حافلة بالإبداع والتجديد، ويخلّد إرث واحد من أبرز رواد الحداثة الشعرية في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الإصدار بمثابة تكريم مستحق لقامة أدبية كبيرة، وإعادة إحياء لصوته الشعري الذي ما يزال يتردد صداه في الأوساط الثقافية، خاصة بعد رحيله في عام 2021.

سيرة شاعر ارتبط بأرضه وناسه

يُعد محمد بن زايد الألمعي، ابن منطقة عسير، رمزاً من رموز الشعر السعودي الحديث. انطلقت تجربته من مدينة أبها، التي شكلت فضاءً رئيسياً في نصوصه، حيث استلهم من طبيعتها الخلابة وتراثها العريق وتفاصيل حياة أهلها مادة شعرية فريدة. تميزت قصائده بقدرتها على المزج بين الموروث المحلي والأساليب الشعرية الحديثة، فكان صوته جسراً بين الأصالة والمعاصرة. لم يكن الألمعي مجرد شاعر، بل كان مثقفاً ومشاركاً فاعلاً في المشهد الأدبي، حيث أسهم في إثراء الحراك الثقافي في منطقة الجنوب والمملكة بشكل عام، تاركاً بصمة واضحة في وجدان أجيال من الشعراء والقراء.

أهمية الأعمال الكاملة وتأثيرها الثقافي

إن جمع أعمال الشاعر الألمعي الكاملة في ديوان واحد يمثل حدثاً محورياً للباحثين والنقاد ومحبي الشعر العربي. فهذا الإصدار لا يحفظ فقط نصوصه من الضياع، بل يتيح فرصة لدراسة تجربته الشعرية بشكل متكامل، وتتبع مراحل تطورها وأبعادها الفنية والفكرية. على الصعيد المحلي، يعزز الديوان المكتبة السعودية بعمل مرجعي مهم، ويؤكد على مكانة الألمعي كأحد أعمدة الشعر في البلاد. أما إقليمياً، فيقدم الديوان للقارئ العربي نموذجاً لتجربة شعرية سعودية رائدة نجحت في التعبير عن هويتها المحلية بآفاق إنسانية رحبة، مما يضمن استمرارية حضور الشاعر وتأثيره في ذاكرة الأدب العربي الحديث.

وإلى روحه، وفي ذكرى صدور ديوانه، نُشرت هذه القصيدة التي تستحضر حضوره الدائم:

إلى الشاعر الراحل محمد بن زايد الألمعي، بعد صدور ديوانه الشعري بأعماله الكاملة.

..«فأنتمْ وَوَحْديْ»
ومتْنُ العناقيدِ أمْطَرَ
كان على نَعْشِ ذكرى
نَمَتْ في القلوبِ
فأينعَ منها الوفاءُ
ومدَّدَ ساريةَ الوعدِ
حتى أفاقَ بها النَّسْجُ
والحبُّ
والقامةُ الراحلةْ.

** ما تَزالُ بِنا
راكزاً نبضَ قلبكَ
ذاكَ الذي أتْعَبَتْهُ الدروبُ
وفاضَ به الوجدُ
والشرفةُ الحانيةْْ.

** ما تزالُ بِنا
عند غيماتِ (أبها) التي سَكَنَتْكَ
تُصَبِّحُها بالقصائدِ
ينحَتُك الشعرُ بين ضفائرها
في وجوهِ الصَبِيَّاتِ
في همساتِ القُرى
والفؤادِ المعتّقِ بالوحيِ
والفتنةِ الباقيةْ.

** يا صديقي
كما كنتَ تكتُبُني في البداياتِ
عند تمامِ المساءِ
على رُكْنِ زاويةٍ فاضَ منها الحديثُ
وأطْرَبَها اللحنُ
حيث نُقَلِّبُ أوراقنا
نستقي صوتَ فيروز
نَايَ التهاميِّ
لَكْنَةَ أهلِ القُرَى
واحتمال القصيدةِ
وهي تنوءُ بأوجاعها
في عروقِ الشتاءْ.

** يا صديقيْ الذي أَوْكَلَ العمرَ
حتى تجفِّفَهُ الريحُ
خلف عباءاتها
مثل دفءٍ يُيَمِّمُ أعراسَهُ
رقْصَها المطريَّ
يُهَجِّؤُها نوتةَ القُرْبِ
مُلتَصِقاً
عند سنبلةِ الأمنياتْ.

** يا أبا الطيِّبِينَ الذين نَأَوا
من سراديبِ وَحْشَتِهم
فأناروا ضياءكَ في دربهم
كنتَ واحِدَهُمْ
سَقْفَ أحْرُفِهمْ
عندما سرَّبُوكَ بأسمائهم
وانتهوا بالعزاءِ
كأنَّ المواعيدَ لم يَكْتَمِلْ صيفُها
حوَّلُوا مأتم الغيبِ
سنبلةً للوقوفِ
كما غُرِّبَ الشِّعْرُ بَعْدَكَ
في خيمةِ اليُتْمِ
يلتمسُ العابرينَ
إذا أُدْلِجَتْ روحُهمْ
في بقايا التُّرابْ.

** كيف كنَّا الثلاثةَ
نطوي رِحَالَ الوصولِ
ونَنْقُشُ تلك الحكايا
على دفترِ العُمْرِ
مثل «قصائدنا في الجبلْ»
و قَبْلَ انعتاقِ السؤالِ الغزيرِ
و وَجْهِ السَّفَرْ.

** أعِدْنِيْ إليكَ
وفُتَّ يَبَابِيْ عليكَ
ولا تَطْوِ تلكَ المُتُون الطويلةَ
من حِبْرِ أعماقنا
عندما أفْزَعَتْنَا المساءاتُ
نَسْتَلُّ منها البقاءَ
نُلَوِّنُها بَصَراً مُثْقَلاً بالخيالاتِ
والصفحةِ التالية.

Continue Reading

الأخبار الترند