تواصل معنا

الثقافة و الفن

أنثروبولوجيا الطعام في جازان: قراءة في كتاب عبد الرحمن موكلي

اكتشف أسرار الهوية والذاكرة الشعبية من خلال أنثروبولوجيا الطعام في جازان وقراءة في كتاب الكاتب عبد الرحمن موكلي وأنا بر وأنا دخن وتأثيره الثقافي.

نُشر

بتاريخ

أنثروبولوجيا الطعام في جازان: قراءة في كتاب عبد الرحمن موكلي

يكفي أن يقول أحدهم في منطقة جازان العريقة «وأنا بُرّ وأنا دُخْن» حتى تتجلى خلف هذه العبارة البسيطة حياة كاملة مفعمة بالقيم والروابط الإنسانية. البر والدخن ليسا مجرد محاصيل زراعية تسد الرمق، بل هما في الذاكرة الجمعية لأهالي المنطقة يتجاوزان حدود المائدة المادية ليعبرا عن معانٍ إنسانية واجتماعية أعمق؛ حيث كان الآباء والأمهات يرددون هذه العبارة كإعلان صريح عن الاستعداد التام لتلبية حاجة السائل وإعانته. من هذا المنطلق الوجداني، يفتتح الكاتب والباحث عبد الرحمن موكلي كتابه الاستثنائي «وأنا بُرْ وأنا دُخْن»، ليأخذنا في رحلة معرفية عميقة تسبر أغوار أنثروبولوجيا الطعام في جازان، متتبعاً مسارات حبات البر والدخن وهي تقود خطاه نحو تفاصيل المرسة، والخبز، والتنور، ومواسم الحصاد، والأسواق الشعبية، والطقوس الاجتماعية واللغوية التي شكلت وجدان المنطقة.

المرسة والخبز: رموز الهوية في أنثروبولوجيا الطعام في جازان

يبدأ موكلي كتابه بإهداء مؤثر لوالده الراحل قائلاً: «أورثتني أرضاً وضيعتها، وسلاحاً وبعته، وبقيت مواقفك تدلني كلما تهت». هذا الاستهلال يضع الأرض في صدارة المشهد الثقافي للكتاب، لتستعيد حضورها البهي عبر صفحاته من خلال المطبخ والذاكرة. فالأب وإن غاب جسده، فإن مواقفه وقيمه تظل مرشدة للابن، والأرض التي ضاعت جغرافياً يعاد امتلاكها وتخليدها عبر فعل الكتابة والتدوين الأنثروبولوجي.

وعندما نلقي نظرة فاحصة على طبق “المرسة”، نجد أنه يمثل نموذجاً مثالياً لفهم أنثروبولوجيا الطعام في جازان. هذا الطبق الجازاني الشهير، الذي قد يبدو بسيطاً في مكوناته الظاهرة، يفتح في دراسة موكلي أبواباً واسعة لفهم البنية الاجتماعية. فالمرسة ليست مجرد وجبة، بل هي نتاج عمل جماعي شاق تبذله النساء في البيوت، بدءاً من عجن البر، ثم خبزه في التنور التقليدي، وصولاً إلى إخراج الأقراص الساخنة وهرسها بعناية مع الموز والسمن والعسل. تظهر النساء في هذه الذاكرة كحارسات للمعرفية العملية والشفهية المرتبطة بالطعام، وهي معرفة تراكمية انتقلت عبر الأجيال لتصل إلى اليوم كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية.

البعد التاريخي والاجتماعي للمطبخ الجازاني

تتمتع منطقة جازان بخلفية تاريخية زراعية غنية جعلت من الأرض والمطر والمحاصيل محوراً للحياة والوجود. على مر القرون، شكلت الزراعة الركيزة الأساسية للاستقرار البشري في السهول والأودية الجازانية. ولم يكن الطعام يوماً معزولاً عن هذه الدورة الطبيعية؛ بل كان مرآة تعكس مواسم الخصب والجفاف. في الأعياد والمناسبات الكبرى مثل عيد الأضحى وشهر رمضان المبارك، كانت “المرسة” تتصدر الموائد إلى جانب الأرز والسمك واللحم. ويتذكر موكلي بكثير من الحنين كيف كانت البيوت تتبادل الصحون، ويحمل الناس طعامهم إلى جيرانهم في طقس اجتماعي مهيب يكرس قيم التكافل والتلاحم الاجتماعي، لتتحول المائدة هنا إلى سجل حي يوثق العلاقات الإنسانية والتاريخية لأبناء المنطقة.

اللغة والأنثروبولوجيا: ماذا تكشف لنا الأسماء الشعبية؟

لا يتوقف عبد الرحمن موكلي عند حدود المكونات الغذائية، بل يغوص عميقاً في دلالات اللغة المحلية. يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً: لماذا بقيت كلمة «مرس» صامدة عبر الزمن؟ وما الذي تخفيه اللغة في ثنايا اسم هذا الطبق الشعبي؟ يتعامل موكلي مع الكلمات بوصفها آثاراً تاريخية تحتاج إلى تنقيب وبحث، فالاسم يقودنا إلى تاريخ الممارسة بقدر ما يقودنا إلى المكونات ذاتها.

وينطبق هذا المنهج الأنثروبولوجي أيضاً على مصطلح «الحوت» الذي يطرحه الكاتب كمرادف محلي للسمك في جازان؛ حيث يفرد مساحة لاستكشاف مفردات البحر والصيد، متسائلاً كيف يمكن الكتابة عن الحوت دون معرفة أنواعه ومواسم صيده وطرق طبخه التقليدية كالمغش والتنور. ومن هنا، تخرج الكتابة من ضيق المطبخ إلى رحابة السواحل وحياة الصيادين والناس الذين ارتبطت مصائرهم بالبحر والبر على حد سواء.

الأهمية الثقافية والتأثير المتوقع لكتابات موكلي

تكتسب دراسة التراث الغذائي أهمية بالغة على الصعيدين المحلي والإقليمي. ففي ظل التحولات المتسارعة والعولمة التي تهدد الثقافات المحلية بالاندثار، يأتي كتاب عبد الرحمن موكلي كوثيقة إنقاذية تحفظ التراث غير المادي للمملكة العربية السعودية. محلياً، يسهم هذا العمل في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية وتوثيق العادات والتقاليد للأجيال الجديدة. وإقليمياً ودولياً، يفتح الكتاب آفاقاً جديدة أمام الباحثين المهتمين بالأنثروبولوجيا الثقافية في العالم العربي، مؤكداً أن المطبخ التقليدي ليس مجرد وصفات لتحضير الأكل، بل هو نظام ثقافي متكامل يعكس فلسفة الإنسان في التعامل مع بيئته ومجتمعه.

حساب غرفة الأخبار في أخبار السعودية. تُنشَر باسمه المواد المؤسسية والتقارير غير المنسوبة لصحفي فرد، وتتحمل الصحيفة مسؤوليتها التحريرية.

اضغط للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الترند