تواصل معنا

الثقافة و الفن

حجب الكتب وتاريخ الرقابة: قراءة في كتاب إبراهيم زولي

تعرف على تاريخ حجب الكتب وصراع الرقابة مع الفكر من خلال قراءة شاملة لكتاب “نيران على الرفوف” للكاتب إبراهيم زولي وأبرز الكتب الممنوعة عالمياً.

نُشر

بتاريخ

حجب الكتب وتاريخ الرقابة: قراءة في كتاب إبراهيم زولي

يُعد حجب الكتب أحد أقدم الصراعات الفكرية في التاريخ الإنساني، حيث خاضت الكلمة المكتوبة معارك ضارية للبقاء في وجه مقص الرقيب. وفي هذا السياق، يأتي الإصدار الأحدث للكاتب إبراهيم زولي بعنوان «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة» ليفتح نافذة عميقة على السيرة الإضافية للنصوص المحجوبة. يستعرض زولي في كتابه الرحلة الغامضة والمثيرة التي تبدأ فور خروج الكتاب من يد مؤلفه ليجد نفسه في مواجهة مباشرة مع القارئ، أو المؤسسة، أو المحكمة، أو الأجهزة الرقابية التي ترى في صفحاته ما يستدعي الإقصاء والمنع.

تاريخياً، لم يكن المنع مجرد قرار إداري عابر، بل كان انعكاساً للتحولات السياسية والاجتماعية والدينية عبر العصور. يعود بنا زولي إلى ذاكرة الطفولة والشباب، مسترجعاً كيف كان تداول بعض العناوين سراً يضاعف الرغبة في الوصول إليها وقراءتها. ويحرص الكاتب على التمييز الدقيق بين درجات الرقابة وصورها المتعددة؛ فهناك فرق شاسع بين المنع الرسمي الشامل، ومصادرة شحنة معينة، ومحاكمة كاتب، أو مجرد استبعاد مؤلفه من مكتبة مدرسية أو معرض كتاب. هذا التفكيك المنهجي يمنع تحول الشائعات إلى حقائق بديلة، ويضع ظاهرة الرقابة في إطارها التاريخي الصحيح.

تاريخ حجب الكتب: من نيران الرفوف التقليدية إلى الرقابة الرقمية

يوضح زولي أن مفهوم حجب الكتب قد تخطى في العصر الحديث أدوات الرقابة الكلاسيكية المتمثلة في موظف الجمارك أو القرار الورقي. ففي زمن المنصات الرقمية، والمتاجر الإلكترونية، والخوارزميات المعقدة، اتخذ التضييق أشكالاً أكثر ذكاءً وأقل وضوحاً لكنها أشد فاعلية. ويشمل ذلك سحب الكتب من المنصات الرقمية، أو الحد من خوارزميات الوصول إليها، والضغط على الناشرين، وصولاً إلى دفع الكاتب لممارسة “الرقابة الذاتية” على قلمه خوفاً من الصدام مع المجتمع أو السلطة قبل أن يقرأ الآخرون كلماته.

نماذج عالمية وعربية واجهت مقصلة المنع

يزخر الكتاب بأمثلة حية من الأدبين العربي والعالمي تجسد هذه المواجهة. فمن العالم العربي، يستحضر زولي رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة، وكتاب «نقد الخطاب الديني» لنصر حامد أبو زيد، و«الحرب القذرة» لحبيب سويدية، إلى جانب «سفينة حنان إلى القمر» لليلى بعلبكي، و«الحريم السياسي» لفاطمة المرنيسي. كما يتطرق إلى «الجنقو مسامير الأرض» لعبدالعزيز بركة ساكن، و«تاريخ الكويت» لعبدالعزيز الرشيد، و«الأوزان الباكية» لثريا قابل، و«كريستال» لجلباره نقاش، و«داداباد» لحسن مطلك، وصولاً إلى الأثر الخالد «ألف ليلة وليلة» وما يمثله من جدل تاريخي طويل حول السرد والأخلاق.

وفي المقابل، يقارن الكاتب هذه التجارب بنظيراتها الغربية والعالمية التي عانت من المصادرة والمنع، مثل رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، وديوان «أزهار الشر» لشارل بودلير، ورواية «شفرة دافنشي» لدان براون، و«الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، ورواية «فهرنهايت 451» لراي برادبري. بالإضافة إلى كتاب «إميل» لجان جاك روسو، و«إله الأشياء الصغيرة» لأرونداتي روي، و«مدار السرطان» لهنري ميلر، و«الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية» لإدواردو غاليانو، فضلاً عن أعمال نغوغي وا ثيونغو، وألين غينسبرغ، وميغيل أنخل أستورياس، وإيزابيل الليندي، وأليكس هالي.

الأثر الثقافي والفكري لمعارك الرقابة وحرية القراءة

تكمن أهمية هذا الطرح في كونه لا يحتفي بالممنوع لمجرد كونه ممنوعاً، ولا يفترض أن قرار الحجب يمنح العمل شهادة تفوق أدبي. فالقيمة الفكرية والأدبية للنص شيء، وتاريخ منعه شيء آخر تماماً. ومع ذلك، يظل تاريخ المنع قادراً على كشف طبيعة المجتمعات والمؤسسات في لحظات تاريخية معينة رأت في الكلمة خطراً يستوجب الاحتراز. إن التأثير المتوقع لإثارة هذه القضايا محلياً وإقليمياً يكمن في تحفيز الوعي الجمعي حول أهمية حرية التعبير وحق المعرفة. وفي نهاية المطاف، يخلص كتاب «نيران على الرفوف» إلى معادلة جوهرية: المعركة الحقيقية ليست مجرد صدام بين كاتب ورقيب، بل هي صراع بين جهة رقابية تريد الوصاية والاختيار نيابة عن القارئ، وقارئ واعٍ يطالب بحقه الطبيعي في أن يختار بنفسه ما يقرأ.

حساب غرفة الأخبار في أخبار السعودية. تُنشَر باسمه المواد المؤسسية والتقارير غير المنسوبة لصحفي فرد، وتتحمل الصحيفة مسؤوليتها التحريرية.

اضغط للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأخبار الترند