الثقافة و الفن
تركي الدخيل في رسالة إلى «القاسمي»: أتعبت المصنفين بعدك
كأنما الكاتب تركي الدخيل بامتلاكه زِمام اللغة، وقدرته على استعادة أدب (الإخوانيات) يعيش في القرن الرابع الهجري،
كأنما الكاتب تركي الدخيل بامتلاكه زِمام اللغة، وقدرته على استعادة أدب (الإخوانيات) يعيش في القرن الرابع الهجري، فرسائله التي يبعثها عبر الصحف لأصدقائه، تتضمن المشاعر في أرقى عبارات الشوق والوله، وذلك النوع من الأدب اعتنى به أبو الفضل المكيالي، وأبو الفضل بن العميد.
وأدب المراسلات فن قديم في الذاكرة والوجدان العربيين، وبلغ من ذيوع الفن، أن خصَّه الثعالبي بفصول في (سحر البلاغة) جمع فيها ما تخيَّره من رسائل الكتَّاب، وأبرز من اشتهر بهذا الفنّ أبوحيّان التوحيدي؛ خصوصاً في كتابه (الصداقة والصديق) وها هو (أبو عبدالله) يعيش العصر الرقمي، ويعتمد لغة الورّاقين، ليخطّ من لندن رسالةً (معتّقة المفردات) في عطر أسلوبية الجاحظ وابن عبدربه إلى صديقه الخبير المعجمي الدكتور علي القاسمي، بعد أن قرأ كتابه (معجم الاستشهادات الموسّع)، ويبعثها بخطه اليدوي الأنيق عبر وسيط إلكتروني لو يحسّ بما تتضمنه هذه المشاعر لثمل ولحرن كما تحرن الفرس، وهنا نص رسالة الدخيل التي تكشف ما امتاز به صاحب (جوهرة في يد فحام):
شيخنا الجليل وأستاذنا العالم المبجل النبيل
إمام صناعة المعاجم.. جامع علوم العرب والأعاجم..
الدكتور علي القاسمي سلمه الله
تحية محبة وإعزاز وإجلال وتقدير.. وبعد:
فما زلتُ ممتلئًا بفيض معرفتكم، مبتهجًا بما امتد إليَّ من بحر علومكم، منذ تملكت نسخة من (معجم الاستشهادات)، جذلًا بصنوف عناية لم أعهد مؤلفًا يحرص على إيصالها للقارئ، بدلالٍ قد يصل حدَّ التغنيج.. ما زلتُ كذلكَ، حتَّى مَنَّ الله عَلَيَّ بتيسير اقتناء (معجم الاستشهادات الموسَّع)، ويعلمُ الله أني لم أشتكِ من ضيق في الرفيق الأوَّل، ولكن هل يَرَدُّ عاقلٌ منحة يقدمها له شَيخه، وكأنه يتمثل قول الشاعر:
تراه إذا ما جئته متهللًا
كأنكَ تُعطيه الذي أَنت سائِلُه!
فيا دكتورنا العَلِيَّ منزلةً، وعلمًا، ومكانةً، وبذلًا، وعطاءً…
لم يساورني شَكٌ كُلَّمَا قَلَّبتُ صفحات معاجمك، التي أزالت عُجمتي، أَنَّكَ صنعتها على عينك بمحبة غامرة، لمادتها، وآلتها، ومصدرها، ومن تصدر إليه..
لا يمكن أن تنبت فروع خدمات معاجمك في أرضٍ لم تُحرَث بِحُبٍّ، ولا بُذِرَت بِحُبٍّ، ولا سُقِيت بِحُبٍّ، ولا قُطِفت ثمارها بهذه المحبة، التي تكسو الأشياء، جمالًا، وجلالًا، ودلالًا!
إرشادات استعمال المُعجم في صفحتين، ثم موضوعات الفهرس في ستٍ وعشرين صفحة، في كل صفحة، عمودان من الكلمات الدَّالَة، الموضوعية، بحيث تشمل الصفحة نحوًا من ستين كلمة، وربما تزيد!
أُتراك يا دكتور، وقد حملتَ لقبَ عائلتكَ الكريمة، الدَّال على إتقان القسمة، تقسم بالعدل بهذا الصنيع؟!
أما وقد احتفلتُ قبل أسابيع، في الثاني من يوليو (تموز)، بواحد وخمسين عامًا، فإني أذكر أني قضيتُ منها أربعين عامًا، أحفظ مقولة عمر بن الخطاب، دون أن أفهم لُبَّهَا، حتى غشتني فيوضك أيها العَلِيُّ… تلك هي: «أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر»..
وفهمتها إذ تيقنتُ من قول حق، هو: «أتعبت المصنفين بعدك يا دكتور علي»… فمن سيوفر بمحبة لقارئه، في فهرس الموضوعات، أكثر من 1,500 موضوع، من خلالها يقف: (معجم استشهادات القاسمي الموسع)، منتصبًا بشموخ في خدمتك؟!
أليس الدكتور علي القاسمي، ممن أفنى عمره في خدمة العربية؟!
إنه عربي قُحُّ، وعربيته زرعت فيه، ضمن حفاوتها بإكرام الضيف، نفسًا تتقن التواضع من نفاستها، فعلمت أن الخدمة عند العرب فخر وعز، وغاية العلم العمل، فما استكبرت من خدمة العلم وأهله. وفي الأثر: «خادم القوم… سيدهم».
ما هذه الثقافة العجيبة يا دكتور، تلك التي تستمتع بإيصال المعاني عبر الأضداد؟! كيف يكون الخادِمُ سَيِّدًا؟!
لن يفهم هذا المعنى الدقيق يا سيدي، إلا من يتذكر، ويعي عندما يتصفح عملك، أبيات أبي تمام، وكأنه يصف نتاجك، إذ يقول:
هو البحر من أيِّ النواحي أتيته
فَلُجَّتُهُ المعروف والجودُ ساحله
تَعوَّدَ بسط الكف حتى لو أنه
ثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كَفِّه غير رُوْحِهِ
لجَادَ بِهَا… فَليَتَّقِ الله سائله!
استشهاداتٌ في 742 صفحة، عددها يتجاوز 18,000 استشهاد، ودراسة عميقة بديعة في الاستشهاد، بكل أصوله وفروعه، ومعاجم الاستشهادات، في نحو أربعين صفحة!
متبوعة بفهارس محتويات الدراسة، في ثلاث صفحات!
ثم فهرس تفصيلي (ألفبائي)، لأصحاب الاستشهادات، وقائليها من الأعلام، في ثلاث وأربعين صفحة، ثم فهرسٌ تفصيلي دقيق للألفاظ والمعاني، عمد فيه المؤلف إلى إدراج الأسماء بالفهرس في صيغ مختلفة، مفردة، ومجموعة، ولا تستغرب أن يكون مثاله الشارح: الحبّ، المحبّ، الحبيب، الأحباب، المحبّون، إلخ…
ومراد القاسمي، أن يقسم لكل من فتح المعجم، نصيبًا من عطاء، فلا يعود خائبًا من قصد عَلِيًَّا…
قبل أن أنسى، أقول للدكتور الحاج علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي، تعليقًا على اختياره الحبَّ، مثالًا لشرح توسعه في استخدام جميع صيغ الأسماء، ألفاظًا ومعانِيَ:
الصَبّ تَفضَحُهُ عُيونُه
وتَنِّمُ عن وَجدٍ شُؤونُه
إنا تَكتَّمنَا الهوى
والداءُ أقتلُهُ دَفِیْنُه
أينفعُ يا مولانا، الذهاب إلى مفهوم البحث عن المعاني بالأضداد؟
فأورِدُ على أبيات أحمد رامي، التي تعتبر أن أقتل الداء دفينه، بيتَ أبي الطيب المتنبي:
لَعَلَّ عُتَبكَ محمودٌ عَوَاقِبُهُ
فربما صَحَّت الأَجسام بالعِلَلِ
ولا أرى تناقض الأضداد، بقدر إسهام أحدها في بيان الآخر:
والضِّدُ يُظهِرُ حُسْنَهُ الضِدُّ
وبِضِّدها تتباينُ الأشياءُ
ونحوه في اليتيمة:
ضِدّانِ لمّا اسْتُجْمَعا حَسُنــا
والضدّ يُظْهِرُ حُسْنَـهُ الضِـــدُ
ماذا بقي؟!
بقية التعريج على ما يقدمه علي القاسمي للقارئ من الدلال والتغنيج!
إنها فهارس الألفاظ والمعاني، التي جاءت في 206 صفحات فقط!
• عجيبة: وبينما أُقَلِّبُ (معجم الاستشهادات الموسع)، وقعت عيني، صدفة، والله يشهد، على فهرس الألفاظ والمعاني، وتحديدًا، على عبارة: (إبر النحل)، فإذا تقريبُ الدكتور علي القاسمي لها، يُخبرني أن الاستشهادَ المتعلق بها، في ص 447، ورقم الاستشهاد (7)، موجودٌ بين استشهادات الصفحة، فأذهبُ إليها فورًا، فأجدُ بيتَ المتنبي:
تُريدينَ لُقيانَ المَعالي رَخيصَةً
وَلا بُدَّ دونَ الشَّهدِ مِن إِبَرِ النَّحْلِ
واعتذر من أبي الطيب، عَنِّي وعن أحد كبار مُحبيه، المُصَنِّف، فقد نقض القاسمي بمُعجمه بيت المتنبي، فهل نَقَضَه من حيث يدري، أم من حيث لا يدري؟!
المتنبي يقول لنفسه، لن تدركي المنازل العالية بسهولة، فمن أراد العسل لا بد أن تلسعه إبر النحل.
لكن الدكتور القاسمي في معجمه يقدم المعلومة بسهولة، ودون تعب، وهكذا يبدو ناقضًا فكرة المتنبي!
أيها العَلِيُّ العَلِي.. شكرًا بحجم سموك.. بحجم بذلٍ أكرم من حاتم، والسلام عليك دومًا..
تلميذكم المحب
تركي بن عبدالله الدخيل
مؤلّف «معجم الاستشهادات الموسع»
الدكتور علي القاسمي، مؤلفُ (معجم الاستشهادات الموسع)، جامعيٌّ ومجمعيٌّ عراقيٌّ يُقيم في المغرب منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
* وهو لغويٌّ متميِّز وكاتب مبدع له ثلاثون كتاباً ونيِّف في القصّة، والنقد والترجمة والمعجميّة والمصطلحيّة، وحقوق الإنسان والتنمية.
* أمضى أكثر من عشرين عاماً في جمع مادّة (معجم الاستشهادات الموسع) وتبويبها. وتمعَّن في أهمّ معاجم الاستشهادات في اللغات الإنجليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة والإسبانيّة، ليستفيد من أفضل تقنيّاتها في تصنيف معجمه.
* شارك في عشرات المؤتمرات المعجميّة الدوليّة للاطلاع على آخر التطوّرات في صناعة المعجم؛ كان أهمّها المؤتمر العالميّ الذي عقدته الجمعية المعجميّة الأوروبيّة في جامعة تمبرة في فنلندا عام 1992، وألقى فيه بحثًا عن عمله في إعداد (معجم الاستشهادات الموسع)، في حلقةٍ دراسية ضمّت عشرين معجميًّا من مؤِّلفي معاجم الاستشهادات في الأقطار الأوروبية المختلفة، وأفاد من خبرتهم وآرائهم.
الثقافة و الفن
قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة
تحليل عميق لقصيدة ‘الراحلون’ التي تستكشف مشاعر الفقد والحنين. رحلة أدبية في كيفية تعامل الروح الإنسانية مع الغياب وأثر الراحلين في ذاكرتنا وأحلامنا.
مقدمة: حين يتحدث الشعر عن الفقد
تُعد قصيدة “الراحلون” قطعة أدبية عميقة تغوص في جوهر واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إيلاماً وقوة: تجربة الفقد. بكلمات هادئة وحزينة، ترسم القصيدة لوحة للغياب، ليس كحدث عابر، بل كحالة وجودية مستمرة تؤثر في أرواح من بقوا. إنها تتجاوز الرثاء التقليدي لتقدم تأملاً فلسفياً في طبيعة الرحيل، والأسئلة التي يخلفها، والطريقة التي يستمر بها الراحلون في العيش داخل ذاكرتنا وأحلامنا.
السياق الأدبي: الفقد كثيمة خالدة في الأدب الإنساني
لم يكن موضوع الموت والفقد غريباً على الأدب العالمي، بل هو أحد أعمدته الأساسية. منذ ملحمة جلجامش وبحثه عن الخلود بعد فقدان صديقه أنكيدو، مروراً بمرثيات الخنساء في الشعر العربي التي خلدت أخاها صخراً، وصولاً إلى الأدب الحديث، كان الحزن على الراحلين محركاً للإبداع. تعمل هذه الأعمال الأدبية كمرآة تعكس قلق الإنسان الأزلي تجاه المجهول، وتعتبر وسيلة للتصالح مع حتمية الفناء. تأتي قصيدة “الراحلون” لتنضم إلى هذا التراث الإنساني العظيم، مقدمةً رؤيتها الخاصة لكيفية تفاعل الروح مع الفراغ الذي يتركه الغياب، وكيف يصبح الصمت لغة، والذكرى وطناً.
تحليل القصيدة: رحلة الصمت نحو المجهول
تبدأ القصيدة بوصف دقيق لحالة الرحيل، حيث يختار “حَادي الغِيابِ” أسماءهم بصوت خفيّ. هذا التصوير يمنح الرحيل طابعاً قدرياً لا مفر منه، وكأنهم يسيرون نحو مصيرهم بهدوء العارفين. يتقدمون “كالواثقينَ بسِفْرِ أوهامِ الحَياةِ”، في إشارة إلى إدراكهم لزيف الحياة الفانية مقارنة بالوجود الأبدي الذي يقصدونه. إنهم يغادرون لأن الأرض، بكل اتساعها، ضاقت بأحلامهم ورؤاهم، ولأنهم وجدوا طريقاً غامضاً يعدهم بالعودة إلى “غَيبِ البدايةِ”. هذا الجزء من القصيدة لا يصور الموت كهزيمة، بل كخيار فلسفي أو رحلة حتمية نحو أصل الوجود.
أثر الغياب: الفراغ الذي لا يملؤه إلا الحلم
يكمن التأثير الأكبر للقصيدة في وصفها الدقيق للحالة التي يعيشها الأحياء بعد رحيل أحبائهم. يصف الشاعر كيف أن الراحلين لم يتركوا وراءهم أي رسالة أو تفسير، “لمْ يكتُبوا لقلوبِنا سَطراً وَحِيداً”. هذا الانقطاع يخلق حالة من التيه والتساؤل، ويجعل من “التَّأمُّلُ في التماعاتِ السَّرابِ” الطريق الوحيد لمحاولة الوصل. لكن الأثر الأعمق يتجلى في الجزء الأخير، حيث يعود الراحلون في الأحلام “دُونَ سَابقِ مَوْعِدٍ”. هذه اللقاءات الحلمية، المليئة بالشوق والعناق، هي العزاء الوحيد المتبقي، لكنها مؤقتة وهشة، إذ “يتبخَّرونَ معَ الهَواءِ” عند بزوغ الصباح. هذا التناقض بين كثافة الحضور في الحلم وقسوة الاختفاء في الواقع يجسد ببراعة لوعة الفقد المستمرة، ويؤكد أن أثر الراحلين باقٍ فينا، حتى وإن غابت أجسادهم.
الثقافة و الفن
تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش
اكتشف قراءة معمقة وتحليلية لقصيدة “لست أحفل بالمتاهة” للشاعر الفلسطيني محمود درويش، واستكشف معاني الذاكرة والمنفى والبحث عن الذات في شعره الخالد.
مقدمة: صوت فلسطين الخالد
تُعد قصيدة “لستُ أحفل بالمتاهة” واحدة من الأعمال الشعرية العميقة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يُعتبر رمزاً من رموز الأدب العربي الحديث وصوت القضية الفلسطينية الأبرز في المحافل الدولية. نُشرت هذه القصيدة ضمن أعماله المتأخرة التي شهدت تحولاً في أسلوبه من الخطاب المباشر والمقاوم إلى التأمل الفلسفي والوجودي، حيث يغوص الشاعر في أعماق الذات الإنسانية متجاوزاً حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة، ليلامس هموماً إنسانية عالمية.
في هذه القصيدة، يتناول درويش مفاهيم معقدة مثل المعنى، الذاكرة، المنفى، والبحث عن وطن، ليس فقط ككيان جغرافي، بل كحالة استقرار روحي ونفسي. إنها تمثل مرحلة النضج الفكري التي وصل إليها الشاعر، حيث لم تعد المتاهة (رمز الضياع والتعقيد السياسي) هي شغله الشاغل، بل أصبح همه الأكبر هو البحث عن الخلاص الفردي ومعنى الوجود في ظل الفوضى المحيطة.
نص القصيدة: لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
يَصْطادُكَ المَعْنى
تُحاصِرُكَ القَصيدَةُ
ثُمَّ تَهْرُبُ صَوْبَ ما أَلِفَتْهُ ذَاكِرَةُ الخُطُوبِ
وكُلَّما سَيَّجْتَ ذاكِرَةً تَلَقَّفَكَ البَعيدُ
خُذْ مِنْ ظِلالِكَ خَوفَكَ الواهي
وخُذْ جَمْرَ احْتِمالِكَ
فالظِّلالُ يَخونُها جَسَدٌ طَريدُ
وإذا نَقَشْتَ جُلودَ عُمْرِكَ في العَراءِ المَحْضِ
خُذْ وَطَناً؛
فَإِنَّ العُمْرَ بِيدُ
غَيْباً صَحِبْتُكَ يا نَشيدُ
وكُنْتُ فِيكَ أُرَاوِغُ الفَوضى القَديمَةَ
أو أُرَاوِغُ آخَراً يَرْمي بِأَحْجَارِ النُّبوءَةِ في السِّلالِ
فَفِيمَ تَتْرُكُني وَحِيداً يا نَشِيدُ؟!
سَأَفُكُّ قَيْدَ وِشَايَةٍ عَلِقَتْ بِحَبَّاتِ الرِّياحِ
وأَحْتَمي بالبَابِ والأَقْفَالِ والدُّورِ الكَسيحَةِ
فالوِشَايَةُ سَوْفَ يَحْمِلُها البَرِيدُ
سأقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:
كُنْتُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
قَبْلَ أَنْ تَلِجَ المتاهَةُ دَرْبَنا الليْلِيَّ
ثُمَّ أقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:
لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
بعد أَنْ كَفَرَ المُرِيدُ
وغداً إذا أَلْقَيْتَ موسيقَاكَ في صَحْراء موحِشَةٍ
تَأَمَّلْ صَوْتَكَ المَبْحوحَ في حُزْنِ الكَمَانِ
وصَوْتَكَ المَبْحوحَ في إيقَاعِ أُغْنِيَةٍ
ورَتِّلْ ما يُحاوِلُهُ الحَزِينُ وما يُحاوِلُهُ السَّعِيدُ
واخْلَعْ نِعَالَكَ قَبْلَ أَنْ تَطَأَ السَّلالِمَ
رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ هَشاشَةٌ
أو رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ رَتابَةٌ
في الحالَتَيْنِ سَلالِمُ المَوْتى تَحِيدُ ولا تَحِيدُ.
الأهمية والسياق: من المقاومة إلى الوجودية
تكمن أهمية هذه القصيدة في أنها تعكس تطور فكر محمود درويش. فبعد عقود من كتابة “شعر المقاومة” الذي ارتبط باسمه، بدأ درويش في استكشاف أبعاد جديدة للوجود الإنساني. “المتاهة” هنا ليست فقط متاهة السياسة والصراع الفلسطيني، بل هي متاهة الحياة نفسها، والبحث عن اليقين في عالم مليء بالشكوك. عندما يقول “لستُ أحفل بالمتاهةِ بعد أن كفر المريد”، فهو يعلن عن حالة من التعب الفلسفي والتحرر من الأيديولوجيات التي لم تعد تقدم إجابات شافية، سواء كانت سياسية أو فكرية.
التأثير العالمي لشعر درويش
لم يكن تأثير محمود درويش محلياً أو إقليمياً فقط، بل امتد ليشمل العالم بأسره. تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية العالمية. لقد نجح درويش في تحويل التجربة الفلسطينية من مجرد قضية سياسية إلى ملحمة إنسانية عن فقدان الوطن والبحث عن الهوية، وهو ما جعل شعره يتردد صداه لدى كل من عانى من الظلم أو شعر بالغربة في هذا العالم. قصائد مثل “لستُ أحفل بالمتاهة” تساهم في ترسيخ هذا البعد العالمي، حيث يجد القارئ من أي ثقافة صدى لمشاعره الخاصة في كلمات الشاعر عن الضياع، الذاكرة، والأمل الخافت.
الثقافة و الفن
إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه
بعد صدور أعماله الكاملة، نستحضر إرث الشاعر السعودي محمد بن زايد الألمعي. قصيدة رثاء مؤثرة تحتفي بمسيرته الأدبية وتأثيره في المشهد الثقافي.
في خطوة ثقافية هامة، صدر ديوان الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعودي الراحل محمد بن زايد الألمعي، ليجمع بين دفتيه مسيرة حافلة بالإبداع والتجديد، ويخلّد إرث واحد من أبرز رواد الحداثة الشعرية في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الإصدار بمثابة تكريم مستحق لقامة أدبية كبيرة، وإعادة إحياء لصوته الشعري الذي ما يزال يتردد صداه في الأوساط الثقافية، خاصة بعد رحيله في عام 2021.
سيرة شاعر ارتبط بأرضه وناسه
يُعد محمد بن زايد الألمعي، ابن منطقة عسير، رمزاً من رموز الشعر السعودي الحديث. انطلقت تجربته من مدينة أبها، التي شكلت فضاءً رئيسياً في نصوصه، حيث استلهم من طبيعتها الخلابة وتراثها العريق وتفاصيل حياة أهلها مادة شعرية فريدة. تميزت قصائده بقدرتها على المزج بين الموروث المحلي والأساليب الشعرية الحديثة، فكان صوته جسراً بين الأصالة والمعاصرة. لم يكن الألمعي مجرد شاعر، بل كان مثقفاً ومشاركاً فاعلاً في المشهد الأدبي، حيث أسهم في إثراء الحراك الثقافي في منطقة الجنوب والمملكة بشكل عام، تاركاً بصمة واضحة في وجدان أجيال من الشعراء والقراء.
أهمية الأعمال الكاملة وتأثيرها الثقافي
إن جمع أعمال الشاعر الألمعي الكاملة في ديوان واحد يمثل حدثاً محورياً للباحثين والنقاد ومحبي الشعر العربي. فهذا الإصدار لا يحفظ فقط نصوصه من الضياع، بل يتيح فرصة لدراسة تجربته الشعرية بشكل متكامل، وتتبع مراحل تطورها وأبعادها الفنية والفكرية. على الصعيد المحلي، يعزز الديوان المكتبة السعودية بعمل مرجعي مهم، ويؤكد على مكانة الألمعي كأحد أعمدة الشعر في البلاد. أما إقليمياً، فيقدم الديوان للقارئ العربي نموذجاً لتجربة شعرية سعودية رائدة نجحت في التعبير عن هويتها المحلية بآفاق إنسانية رحبة، مما يضمن استمرارية حضور الشاعر وتأثيره في ذاكرة الأدب العربي الحديث.
وإلى روحه، وفي ذكرى صدور ديوانه، نُشرت هذه القصيدة التي تستحضر حضوره الدائم:
إلى الشاعر الراحل محمد بن زايد الألمعي، بعد صدور ديوانه الشعري بأعماله الكاملة.
..«فأنتمْ وَوَحْديْ»
ومتْنُ العناقيدِ أمْطَرَ
كان على نَعْشِ ذكرى
نَمَتْ في القلوبِ
فأينعَ منها الوفاءُ
ومدَّدَ ساريةَ الوعدِ
حتى أفاقَ بها النَّسْجُ
والحبُّ
والقامةُ الراحلةْ.
** ما تَزالُ بِنا
راكزاً نبضَ قلبكَ
ذاكَ الذي أتْعَبَتْهُ الدروبُ
وفاضَ به الوجدُ
والشرفةُ الحانيةْْ.
** ما تزالُ بِنا
عند غيماتِ (أبها) التي سَكَنَتْكَ
تُصَبِّحُها بالقصائدِ
ينحَتُك الشعرُ بين ضفائرها
في وجوهِ الصَبِيَّاتِ
في همساتِ القُرى
والفؤادِ المعتّقِ بالوحيِ
والفتنةِ الباقيةْ.
** يا صديقي
كما كنتَ تكتُبُني في البداياتِ
عند تمامِ المساءِ
على رُكْنِ زاويةٍ فاضَ منها الحديثُ
وأطْرَبَها اللحنُ
حيث نُقَلِّبُ أوراقنا
نستقي صوتَ فيروز
نَايَ التهاميِّ
لَكْنَةَ أهلِ القُرَى
واحتمال القصيدةِ
وهي تنوءُ بأوجاعها
في عروقِ الشتاءْ.
** يا صديقيْ الذي أَوْكَلَ العمرَ
حتى تجفِّفَهُ الريحُ
خلف عباءاتها
مثل دفءٍ يُيَمِّمُ أعراسَهُ
رقْصَها المطريَّ
يُهَجِّؤُها نوتةَ القُرْبِ
مُلتَصِقاً
عند سنبلةِ الأمنياتْ.
** يا أبا الطيِّبِينَ الذين نَأَوا
من سراديبِ وَحْشَتِهم
فأناروا ضياءكَ في دربهم
كنتَ واحِدَهُمْ
سَقْفَ أحْرُفِهمْ
عندما سرَّبُوكَ بأسمائهم
وانتهوا بالعزاءِ
كأنَّ المواعيدَ لم يَكْتَمِلْ صيفُها
حوَّلُوا مأتم الغيبِ
سنبلةً للوقوفِ
كما غُرِّبَ الشِّعْرُ بَعْدَكَ
في خيمةِ اليُتْمِ
يلتمسُ العابرينَ
إذا أُدْلِجَتْ روحُهمْ
في بقايا التُّرابْ.
** كيف كنَّا الثلاثةَ
نطوي رِحَالَ الوصولِ
ونَنْقُشُ تلك الحكايا
على دفترِ العُمْرِ
مثل «قصائدنا في الجبلْ»
و قَبْلَ انعتاقِ السؤالِ الغزيرِ
و وَجْهِ السَّفَرْ.
** أعِدْنِيْ إليكَ
وفُتَّ يَبَابِيْ عليكَ
ولا تَطْوِ تلكَ المُتُون الطويلةَ
من حِبْرِ أعماقنا
عندما أفْزَعَتْنَا المساءاتُ
نَسْتَلُّ منها البقاءَ
نُلَوِّنُها بَصَراً مُثْقَلاً بالخيالاتِ
والصفحةِ التالية.
-
التقارير12 ساعة ago
إنجازات القطاعات الحكومية السعودية عام 2025
-
الأخبار المحلية4 أسابيع ago
طقس الرياض: تنبيهات من أمطار غزيرة وأتربة وتوقعات الثلوج
-
التكنولوجيا4 أسابيع ago
جامعة الإمام عبدالرحمن تدمج الذكاء الاصطناعي والمخطوطات النادرة
-
الأخبار المحليةأسبوع واحد ago
الغذاء والدواء تحذر من حليب أطفال نستله الملوث | تفاصيل السحب
-
الأخبار المحلية4 أسابيع ago
طقس السعودية: ثلوج حائل وأمطار الخرج والدلم – تحذيرات الأرصاد
-
الأزياء4 أسابيع ago
أنغام وجينيفر لوبيز بنفس الفستان: مقارنة إطلالة ستيفان رولاند
-
الأخبار المحلية4 أسابيع ago
ثلوج الرياض والقصيم.. تفاصيل الحالة الجوية والمناطق المتأثرة
-
التكنولوجيا4 أسابيع ago
ضوابط الذكاء الاصطناعي بالتعليم السعودي وحماية بيانات الطلاب