Connect with us

الثقافة و الفن

«أحكي لكم عن أبي».. يكشف البعد الإنساني لـ«العبودي»

بمداد ينبض بالحب والامتنان، مبتعداً عن الذاتية والانحياز، ومقتفياً أثر الموضوعية في السيرة والمسيرة، سطر الكاتب

Published

on

بمداد ينبض بالحب والامتنان، مبتعداً عن الذاتية والانحياز، ومقتفياً أثر الموضوعية في السيرة والمسيرة، سطر الكاتب طارق بن محمد بن ناصر العبودي كتاباً متميزاً، يحكي قصة حياة والده الشيخ محمد بن ناصر العبودي (1345- 1443هـ)، بعنوان (أحكي لكم عن أبي.. شيء من حياته.. شيء من أعماله)؛ الذي يُعد مرجعاً لا غنى عنه لكل الباحثين عن والده (1354- 1443هـ)، الذي يُعد واحداً من أبرز جيل الرواد السعوديين ومن أكثرهم غزارة في الإنتاج وتنوعاً في الفنون.

سلط الكتاب الضوء على البعد الإنساني في شخصية العبودي، إذ يتحدث عنه بصفته ابناً، وأباً، وزوجاً، وموظفاً حكومياً، مورداً تفاصيل مهمة عن حياته الخاصة، وطريقته في التعامل مع أسرته وأعماله الخيرية، وأعماله المنشورة من معاجم وتراجم ورحلات.. وغيرها من الفنون الأدبية، ووجهة نظر المؤلف عنها، وعن العشرات من كتب العبودي ومعاجمه التي لم تُنشر بعد، وعما سيؤول إليه أمرها. يقع الكتاب في 359 صفحة، وفي مقدمته أشار المؤلف إلى فكرته، وأنه أطلع عليه والده، وعلى نسخة مبدئية منه، فأقرها بعد أن أدخل عليها بعض التعديلات بخط يده، وطلب منه إكماله. وأشار إلى أن والده عاش فتره ذهبية، وهو ما مكنه بعد أن عاش في مرحلة مفصلية جمعت بين عصرين مختلفين، من أن يستخدم أدوات الحاضر متسلحاً بخلفية زمن مختلف، ليستطيع في النهاية أن يكتب ويسجل ويضمن لنفسه مكانة بارزة في تاريخ بلاده الثقافي. وبيّن المؤلف أن والده أشغل نفسه بما يحب وكرّس نفسه لذلك، واختار البعد عن الأضواء وزهد في التصدر والشهرة، ورغم ذلك كان يتمتع بتقدير عالٍ لدى جموع كثير من الناس.

وفاء واستزادة من المعارف والمعلومات

أوضح المؤلف أن والده ولد ببريدة في 1 ربيع الآخر 1345هـ، الموافق 7 أكتوبر 1926، وانضم للكُتّاب، ثم انتقل لمدرسة محمد بن صالح الوهيبي في عام 1356هـ، ثم حصل على الشهادة الابتدائية، وذكر أن والده كان في سباق دائم مع الاستزادة من المعارف والمعلومات، ومحاولاته لتعلم اللغة الإنجليزية، وسعى لنشر تعلمها، إضافة لتعلمه قليلاً من اللغتين البرتغالية والفرنسية.

وذكر المؤلف وفاء والده لشيخه عبدالله بن محمد حميد، وأن تأليفه كتاب (الشيخ العلامة عبدالله بن محمد بن حميد كما عرفته)، يوضح مقدار تأثير الشيخ في مسيرة والده، ويتضح ذلك من قوله: «هو أعظم شيخ تتلمذت عليه، وأعظم شخص أثر في حياتي فأفادني ونفعني، ولا أزال أقول ذلك وأعلنه لأن ذلك هو الحقيقة، بل هو بالنسبة لي شيخ ووالد ومربٍّ».

وتحت عنوان الزوج، تحدثت زوجته الوحيدة وأم أبنائه جميعاً، نورة بنت عبدالله بن موسى الغصيب (1355 هـ-22/ ‏7/ ‏1442هـ). ولعل إقرار والده بدور زوجته في تربية الأبناء، في بيت من الشعر قاله ضمن قصيدة نظمها بمناسبة بلوغه السبعين من عمره، ونشرها في ترجمته بـ(معجم أسر بريدة)، يؤكد ذلك:

وزوجي فلا أنسى جميل أم ناصر *** وتربية الأولاد إنْ غبت عن أهلي

أغيب ونفسي حولهم مطمئنة *** وفي البيت قد ظلت هي الكل في الكل

ظمأ للمعرفة على مستوى العالم

تحت عنوان الموظف، أشار المؤلف إلى أن سيرة والده الوظيفية هي أكثر محطات حياته وضوحاً للقراء، ففي كتابه (سبعون عاماً في الوظيفة الحكومية) لا يترك مجالاً كبيراً لأحد ليقول المزيد عنه.

وأشار إلى أن والده تنقّل بين الوظائف من مدرس إلى مدير للمدرسة المنصورية، ومدير للمعهد العلمي، ثم الأمانة العامة للدعوة الإسلامية، والجامعة الإسلامية، ورابطة العالم الإسلامي، وغيرها من المواقع.

وبيّن أن والده كتب في الصفحة رقم 375 من الجزء الثاني من كتابه (سبعون عاماً في الوظيفة الحكومية) إحساسه الصادق حول العمل في الجامعة الإسلامية بقوله: «لقد وجدت في العمل في الجامعة الإسلامية ما يشبع فضولي ومحبتي لمساعدة المسلمين ويروي ظمئي إلى المعرفة على مستوى العالم، فالطلاب الذين كنا نستقدمهم على هيئة طلاب منح كانوا من دول مختلفة ومن شعوبها ألوانها متعددة، وألبستها مختلفة، وهي أصدق ما يصدق عليها الآية الكريمة (واختلاف ألسنتكم وألوانكم)، ثم الأهم معرفة الأشخاص الذين تأتي معرفتهم من خلال المعرفة بالطلاب من رؤساء جمعيات إسلامية في أنحاء العالم، ومن سفراء يزورون طلابهم أو يطمئنون عليهم، ومن رسائل كانت تنهمر على الجامعة من أنحاء العالم».

الشغف بالفنون و216 كتاباً

تحت عنوان (المؤلف)، ذكر الكاتب أن والده كان شغوفاً بفنون عدة، وهو شديد التنظيم لدرجة أنه من المحرم على الأسرة جميعاً تحريك ورقة في مكتبه، أو التكاسل في إعادة كتاب ما إلى مكانه الصحيح.

وأوضح أن الكتب المطبوعة في حياة والده بلغت 216 كتاباً أو عنواناً على الأصح، راوحت بين كتاب يتكون من 23 مجلداً، وكتيب بلغ عدد صفحاته 27 صفحة؛ منها الأمثال العامية في نجد، وفي أفريقيا الخضراء: مشاهدات وانطباعات وأحاديث عن الإسلام والمسلمين، وذكرياتي في أفريقيا، ونفحات من السكينة القرآنية، وأخبار أبي العيناء اليمامي، والمعجم الجغرافي لبلاد القصيم، ومدغشقر بلاد المسلمين الضائعين.. وغيرها من العناوين المختلفة والمتعددة.

وتحت عنوان كتب الرحلات، أوضح المؤلف أن كتب الرحلات التي كتبها والده تتميز بالرشاقة والأسلوب السهل فهي سريعة الهضم، لا تنهك عقل القارئ، بل تأخذه إلى رحلة سلسة يستمع إلى متحدث متمكن يروي قصته، دون أن يثقل عليه، إذ يصف مشاهداته دون إغفال التفاصيل الصغيرة التي تمر أمام عينيه.

سِيَر الأشخاص والقدرة على النظم

بعنوان السِيَر، نوّه مؤلف الكتاب إلى أن والده كتب عدة كتب عن سِيَر أشخاص رأى أنها يجب أن تسجل، ولعل أبرزها ما كتبه عن مشايخه ورفقاء دربه؛ وهم الشيخ عبدالله بن حميد، والشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ عبدالعزيز بن صالح والشيخ محمد الحركان، وغيرها من كتب السِيَر.

وبعنوان شعره، أشار المؤلف إلى أن والده لم يعتبر نفسه شاعراً رغم قدرته على النظم، لذا فقد سمى ديوانه الشعري (ديوان غير شاعر)، ورغم ذلك لا يفهم المؤلف لماذا كان والده حريصاً على ترسيخ فكرة أنه ليس بشاعر، رغم أن شعره المبثوث في كتبه خصوصاً كتب الرحلات به الكثير من الجماليات، إذ كتب والده في ترجمته لنفسه في معجم أسر بريدة «لا أعد نفسي شاعراً، ولكنني أنظم كلاماً موزوناً يسمى شعراً في بعض المناسبات».

جوائز وتكريم بمحافل عدة

بعنوان تكريم وجوائز، أشار المؤلف إلى أن والده جرى تكريمه في محافل عدة، وفاز بعدد من الجوائز، كما فاته تسجيل بعض الجوائز والمناسبات التكريم، وأبرز ما ناله تكريمه من مهرجان الجنادرية الـ19 بصفته شخصية العام الثقافية، حيث قلده خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى في 23/ ‏10/ ‏1424هـ، وفاز بوسام السلطان قابوس للثقافة والعلوم والفنون من الدرجة الثانية، بمناسبة اتخاذ مسقط عاصمة للثقافة العربية 2006، وكرمته وزارة المعارف عام 1394هـ بميدالية الاستحقاق بالأدب في مؤتمر بعنوان (مؤتمر الأدباء السعوديين الأول)، وكرمته مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثقافية بوصفه شخصيةً ثقافيةً بشهادة تقدير تسلمها من يد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وفاز بجائزة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز التقديرية للرواد في تاريخ الجزيرة العربية، وفاز بجائزة الملك عبدالعزيز للكتاب في دورتها الثانية، وفاز بجائزة (شخصية العام الثقافية) ضمن مبادرة (الجوائز الثقافية الوطنية)؛ التي تقيمها وزارة الثقافة برعاية ولي العهد، تقديراً لمسيرته الأدبية الثرية، إضافة إلى تكريمات متنوعة من جهات مختلفة.

انطلقت شبكة أخبار السعودية أولًا من منصة تويتر عبر الحساب الرسمي @SaudiNews50، وسرعان ما أصبحت واحدة من أبرز المصادر الإخبارية المستقلة في المملكة، بفضل تغطيتها السريعة والموثوقة لأهم الأحداث المحلية والعالمية. ونتيجة للثقة المتزايدة من المتابعين، توسعت الشبكة بإطلاق موقعها الإلكتروني ليكون منصة إخبارية شاملة، تقدم محتوى متجدد في مجالات السياسة، والاقتصاد، والصحة، والتعليم، والفعاليات الوطنية، بأسلوب احترافي يواكب تطلعات الجمهور. تسعى الشبكة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتقديم المعلومة الدقيقة في وقتها، من خلال تغطيات ميدانية وتحليلات معمقة وفريق تحرير متخصص، ما يجعلها وجهة موثوقة لكل من يبحث عن الخبر السعودي أولاً بأول.

Continue Reading

الثقافة و الفن

قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة

تحليل عميق لقصيدة ‘الراحلون’ التي تستكشف مشاعر الفقد والحنين. رحلة أدبية في كيفية تعامل الروح الإنسانية مع الغياب وأثر الراحلين في ذاكرتنا وأحلامنا.

Published

on

قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة

مقدمة: حين يتحدث الشعر عن الفقد

تُعد قصيدة “الراحلون” قطعة أدبية عميقة تغوص في جوهر واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إيلاماً وقوة: تجربة الفقد. بكلمات هادئة وحزينة، ترسم القصيدة لوحة للغياب، ليس كحدث عابر، بل كحالة وجودية مستمرة تؤثر في أرواح من بقوا. إنها تتجاوز الرثاء التقليدي لتقدم تأملاً فلسفياً في طبيعة الرحيل، والأسئلة التي يخلفها، والطريقة التي يستمر بها الراحلون في العيش داخل ذاكرتنا وأحلامنا.

السياق الأدبي: الفقد كثيمة خالدة في الأدب الإنساني

لم يكن موضوع الموت والفقد غريباً على الأدب العالمي، بل هو أحد أعمدته الأساسية. منذ ملحمة جلجامش وبحثه عن الخلود بعد فقدان صديقه أنكيدو، مروراً بمرثيات الخنساء في الشعر العربي التي خلدت أخاها صخراً، وصولاً إلى الأدب الحديث، كان الحزن على الراحلين محركاً للإبداع. تعمل هذه الأعمال الأدبية كمرآة تعكس قلق الإنسان الأزلي تجاه المجهول، وتعتبر وسيلة للتصالح مع حتمية الفناء. تأتي قصيدة “الراحلون” لتنضم إلى هذا التراث الإنساني العظيم، مقدمةً رؤيتها الخاصة لكيفية تفاعل الروح مع الفراغ الذي يتركه الغياب، وكيف يصبح الصمت لغة، والذكرى وطناً.

تحليل القصيدة: رحلة الصمت نحو المجهول

تبدأ القصيدة بوصف دقيق لحالة الرحيل، حيث يختار “حَادي الغِيابِ” أسماءهم بصوت خفيّ. هذا التصوير يمنح الرحيل طابعاً قدرياً لا مفر منه، وكأنهم يسيرون نحو مصيرهم بهدوء العارفين. يتقدمون “كالواثقينَ بسِفْرِ أوهامِ الحَياةِ”، في إشارة إلى إدراكهم لزيف الحياة الفانية مقارنة بالوجود الأبدي الذي يقصدونه. إنهم يغادرون لأن الأرض، بكل اتساعها، ضاقت بأحلامهم ورؤاهم، ولأنهم وجدوا طريقاً غامضاً يعدهم بالعودة إلى “غَيبِ البدايةِ”. هذا الجزء من القصيدة لا يصور الموت كهزيمة، بل كخيار فلسفي أو رحلة حتمية نحو أصل الوجود.

أثر الغياب: الفراغ الذي لا يملؤه إلا الحلم

يكمن التأثير الأكبر للقصيدة في وصفها الدقيق للحالة التي يعيشها الأحياء بعد رحيل أحبائهم. يصف الشاعر كيف أن الراحلين لم يتركوا وراءهم أي رسالة أو تفسير، “لمْ يكتُبوا لقلوبِنا سَطراً وَحِيداً”. هذا الانقطاع يخلق حالة من التيه والتساؤل، ويجعل من “التَّأمُّلُ في التماعاتِ السَّرابِ” الطريق الوحيد لمحاولة الوصل. لكن الأثر الأعمق يتجلى في الجزء الأخير، حيث يعود الراحلون في الأحلام “دُونَ سَابقِ مَوْعِدٍ”. هذه اللقاءات الحلمية، المليئة بالشوق والعناق، هي العزاء الوحيد المتبقي، لكنها مؤقتة وهشة، إذ “يتبخَّرونَ معَ الهَواءِ” عند بزوغ الصباح. هذا التناقض بين كثافة الحضور في الحلم وقسوة الاختفاء في الواقع يجسد ببراعة لوعة الفقد المستمرة، ويؤكد أن أثر الراحلين باقٍ فينا، حتى وإن غابت أجسادهم.

Continue Reading

الثقافة و الفن

تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش

اكتشف قراءة معمقة وتحليلية لقصيدة “لست أحفل بالمتاهة” للشاعر الفلسطيني محمود درويش، واستكشف معاني الذاكرة والمنفى والبحث عن الذات في شعره الخالد.

Published

on

تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش

مقدمة: صوت فلسطين الخالد

تُعد قصيدة “لستُ أحفل بالمتاهة” واحدة من الأعمال الشعرية العميقة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يُعتبر رمزاً من رموز الأدب العربي الحديث وصوت القضية الفلسطينية الأبرز في المحافل الدولية. نُشرت هذه القصيدة ضمن أعماله المتأخرة التي شهدت تحولاً في أسلوبه من الخطاب المباشر والمقاوم إلى التأمل الفلسفي والوجودي، حيث يغوص الشاعر في أعماق الذات الإنسانية متجاوزاً حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة، ليلامس هموماً إنسانية عالمية.

في هذه القصيدة، يتناول درويش مفاهيم معقدة مثل المعنى، الذاكرة، المنفى، والبحث عن وطن، ليس فقط ككيان جغرافي، بل كحالة استقرار روحي ونفسي. إنها تمثل مرحلة النضج الفكري التي وصل إليها الشاعر، حيث لم تعد المتاهة (رمز الضياع والتعقيد السياسي) هي شغله الشاغل، بل أصبح همه الأكبر هو البحث عن الخلاص الفردي ومعنى الوجود في ظل الفوضى المحيطة.

نص القصيدة: لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

يَصْطادُكَ المَعْنى

تُحاصِرُكَ القَصيدَةُ

ثُمَّ تَهْرُبُ صَوْبَ ما أَلِفَتْهُ ذَاكِرَةُ الخُطُوبِ

وكُلَّما سَيَّجْتَ ذاكِرَةً تَلَقَّفَكَ البَعيدُ

خُذْ مِنْ ظِلالِكَ خَوفَكَ الواهي

وخُذْ جَمْرَ احْتِمالِكَ

فالظِّلالُ يَخونُها جَسَدٌ طَريدُ

وإذا نَقَشْتَ جُلودَ عُمْرِكَ في العَراءِ المَحْضِ

خُذْ وَطَناً؛

فَإِنَّ العُمْرَ بِيدُ

غَيْباً صَحِبْتُكَ يا نَشيدُ

وكُنْتُ فِيكَ أُرَاوِغُ الفَوضى القَديمَةَ

أو أُرَاوِغُ آخَراً يَرْمي بِأَحْجَارِ النُّبوءَةِ في السِّلالِ

فَفِيمَ تَتْرُكُني وَحِيداً يا نَشِيدُ؟!

سَأَفُكُّ قَيْدَ وِشَايَةٍ عَلِقَتْ بِحَبَّاتِ الرِّياحِ

وأَحْتَمي بالبَابِ والأَقْفَالِ والدُّورِ الكَسيحَةِ

فالوِشَايَةُ سَوْفَ يَحْمِلُها البَرِيدُ

سأقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:

كُنْتُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

قَبْلَ أَنْ تَلِجَ المتاهَةُ دَرْبَنا الليْلِيَّ

ثُمَّ أقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:

لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

بعد أَنْ كَفَرَ المُرِيدُ

وغداً إذا أَلْقَيْتَ موسيقَاكَ في صَحْراء موحِشَةٍ

تَأَمَّلْ صَوْتَكَ المَبْحوحَ في حُزْنِ الكَمَانِ

وصَوْتَكَ المَبْحوحَ في إيقَاعِ أُغْنِيَةٍ

ورَتِّلْ ما يُحاوِلُهُ الحَزِينُ وما يُحاوِلُهُ السَّعِيدُ

واخْلَعْ نِعَالَكَ قَبْلَ أَنْ تَطَأَ السَّلالِمَ

رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ هَشاشَةٌ

أو رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ رَتابَةٌ

في الحالَتَيْنِ سَلالِمُ المَوْتى تَحِيدُ ولا تَحِيدُ.

الأهمية والسياق: من المقاومة إلى الوجودية

تكمن أهمية هذه القصيدة في أنها تعكس تطور فكر محمود درويش. فبعد عقود من كتابة “شعر المقاومة” الذي ارتبط باسمه، بدأ درويش في استكشاف أبعاد جديدة للوجود الإنساني. “المتاهة” هنا ليست فقط متاهة السياسة والصراع الفلسطيني، بل هي متاهة الحياة نفسها، والبحث عن اليقين في عالم مليء بالشكوك. عندما يقول “لستُ أحفل بالمتاهةِ بعد أن كفر المريد”، فهو يعلن عن حالة من التعب الفلسفي والتحرر من الأيديولوجيات التي لم تعد تقدم إجابات شافية، سواء كانت سياسية أو فكرية.

التأثير العالمي لشعر درويش

لم يكن تأثير محمود درويش محلياً أو إقليمياً فقط، بل امتد ليشمل العالم بأسره. تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية العالمية. لقد نجح درويش في تحويل التجربة الفلسطينية من مجرد قضية سياسية إلى ملحمة إنسانية عن فقدان الوطن والبحث عن الهوية، وهو ما جعل شعره يتردد صداه لدى كل من عانى من الظلم أو شعر بالغربة في هذا العالم. قصائد مثل “لستُ أحفل بالمتاهة” تساهم في ترسيخ هذا البعد العالمي، حيث يجد القارئ من أي ثقافة صدى لمشاعره الخاصة في كلمات الشاعر عن الضياع، الذاكرة، والأمل الخافت.

Continue Reading

الثقافة و الفن

إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه

بعد صدور أعماله الكاملة، نستحضر إرث الشاعر السعودي محمد بن زايد الألمعي. قصيدة رثاء مؤثرة تحتفي بمسيرته الأدبية وتأثيره في المشهد الثقافي.

Published

on

إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه

في خطوة ثقافية هامة، صدر ديوان الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعودي الراحل محمد بن زايد الألمعي، ليجمع بين دفتيه مسيرة حافلة بالإبداع والتجديد، ويخلّد إرث واحد من أبرز رواد الحداثة الشعرية في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الإصدار بمثابة تكريم مستحق لقامة أدبية كبيرة، وإعادة إحياء لصوته الشعري الذي ما يزال يتردد صداه في الأوساط الثقافية، خاصة بعد رحيله في عام 2021.

سيرة شاعر ارتبط بأرضه وناسه

يُعد محمد بن زايد الألمعي، ابن منطقة عسير، رمزاً من رموز الشعر السعودي الحديث. انطلقت تجربته من مدينة أبها، التي شكلت فضاءً رئيسياً في نصوصه، حيث استلهم من طبيعتها الخلابة وتراثها العريق وتفاصيل حياة أهلها مادة شعرية فريدة. تميزت قصائده بقدرتها على المزج بين الموروث المحلي والأساليب الشعرية الحديثة، فكان صوته جسراً بين الأصالة والمعاصرة. لم يكن الألمعي مجرد شاعر، بل كان مثقفاً ومشاركاً فاعلاً في المشهد الأدبي، حيث أسهم في إثراء الحراك الثقافي في منطقة الجنوب والمملكة بشكل عام، تاركاً بصمة واضحة في وجدان أجيال من الشعراء والقراء.

أهمية الأعمال الكاملة وتأثيرها الثقافي

إن جمع أعمال الشاعر الألمعي الكاملة في ديوان واحد يمثل حدثاً محورياً للباحثين والنقاد ومحبي الشعر العربي. فهذا الإصدار لا يحفظ فقط نصوصه من الضياع، بل يتيح فرصة لدراسة تجربته الشعرية بشكل متكامل، وتتبع مراحل تطورها وأبعادها الفنية والفكرية. على الصعيد المحلي، يعزز الديوان المكتبة السعودية بعمل مرجعي مهم، ويؤكد على مكانة الألمعي كأحد أعمدة الشعر في البلاد. أما إقليمياً، فيقدم الديوان للقارئ العربي نموذجاً لتجربة شعرية سعودية رائدة نجحت في التعبير عن هويتها المحلية بآفاق إنسانية رحبة، مما يضمن استمرارية حضور الشاعر وتأثيره في ذاكرة الأدب العربي الحديث.

وإلى روحه، وفي ذكرى صدور ديوانه، نُشرت هذه القصيدة التي تستحضر حضوره الدائم:

إلى الشاعر الراحل محمد بن زايد الألمعي، بعد صدور ديوانه الشعري بأعماله الكاملة.

..«فأنتمْ وَوَحْديْ»
ومتْنُ العناقيدِ أمْطَرَ
كان على نَعْشِ ذكرى
نَمَتْ في القلوبِ
فأينعَ منها الوفاءُ
ومدَّدَ ساريةَ الوعدِ
حتى أفاقَ بها النَّسْجُ
والحبُّ
والقامةُ الراحلةْ.

** ما تَزالُ بِنا
راكزاً نبضَ قلبكَ
ذاكَ الذي أتْعَبَتْهُ الدروبُ
وفاضَ به الوجدُ
والشرفةُ الحانيةْْ.

** ما تزالُ بِنا
عند غيماتِ (أبها) التي سَكَنَتْكَ
تُصَبِّحُها بالقصائدِ
ينحَتُك الشعرُ بين ضفائرها
في وجوهِ الصَبِيَّاتِ
في همساتِ القُرى
والفؤادِ المعتّقِ بالوحيِ
والفتنةِ الباقيةْ.

** يا صديقي
كما كنتَ تكتُبُني في البداياتِ
عند تمامِ المساءِ
على رُكْنِ زاويةٍ فاضَ منها الحديثُ
وأطْرَبَها اللحنُ
حيث نُقَلِّبُ أوراقنا
نستقي صوتَ فيروز
نَايَ التهاميِّ
لَكْنَةَ أهلِ القُرَى
واحتمال القصيدةِ
وهي تنوءُ بأوجاعها
في عروقِ الشتاءْ.

** يا صديقيْ الذي أَوْكَلَ العمرَ
حتى تجفِّفَهُ الريحُ
خلف عباءاتها
مثل دفءٍ يُيَمِّمُ أعراسَهُ
رقْصَها المطريَّ
يُهَجِّؤُها نوتةَ القُرْبِ
مُلتَصِقاً
عند سنبلةِ الأمنياتْ.

** يا أبا الطيِّبِينَ الذين نَأَوا
من سراديبِ وَحْشَتِهم
فأناروا ضياءكَ في دربهم
كنتَ واحِدَهُمْ
سَقْفَ أحْرُفِهمْ
عندما سرَّبُوكَ بأسمائهم
وانتهوا بالعزاءِ
كأنَّ المواعيدَ لم يَكْتَمِلْ صيفُها
حوَّلُوا مأتم الغيبِ
سنبلةً للوقوفِ
كما غُرِّبَ الشِّعْرُ بَعْدَكَ
في خيمةِ اليُتْمِ
يلتمسُ العابرينَ
إذا أُدْلِجَتْ روحُهمْ
في بقايا التُّرابْ.

** كيف كنَّا الثلاثةَ
نطوي رِحَالَ الوصولِ
ونَنْقُشُ تلك الحكايا
على دفترِ العُمْرِ
مثل «قصائدنا في الجبلْ»
و قَبْلَ انعتاقِ السؤالِ الغزيرِ
و وَجْهِ السَّفَرْ.

** أعِدْنِيْ إليكَ
وفُتَّ يَبَابِيْ عليكَ
ولا تَطْوِ تلكَ المُتُون الطويلةَ
من حِبْرِ أعماقنا
عندما أفْزَعَتْنَا المساءاتُ
نَسْتَلُّ منها البقاءَ
نُلَوِّنُها بَصَراً مُثْقَلاً بالخيالاتِ
والصفحةِ التالية.

Continue Reading

الأخبار الترند