الثقافة و الفن
عبده خال.. مرقطاً بالأوجاع والأساطير.. «شهادة إنسانية»!
«لقد كدت أسقط وأنا طفل في البئر، ولما كبرت كدت أسقط في كلمة الأبدية».- زوربا، نيكولاس كازنتزاكس.في حين أن الأديب
«لقد كدت أسقط وأنا طفل في البئر، ولما كبرت كدت أسقط في كلمة الأبدية».
– زوربا، نيكولاس كازنتزاكس.
في حين أن الأديب الكبير عبده خال، وبتراكم إنتاجه الروائي البديع، قد عبر القنطرة، بتعبير الخلاص، فإنني أترك القراءة النقدية للمشغولين بهذا الحقل، راغباً أن تكون هذه الورقة شهادة إنسانية، أسجلها عبر معرفتي اللصيقة بعبده، وصداقتنا الممتدة، لأكثر من عقدين، من الزمن، لعل القارئ يعرف شيئاً من جانبه الشخصي الحميم، وعوالمه الخاصة، وذخيرته النفسية المشعة، التي تقف خلف بهاء كلماته!
بمدينة أبها، جنوبي المملكة العربية السعودية، وفي مطلع عام الألفين كنت للتو شاباً صغيراً، أكتب مقالة أسبوعية، في جريدة الوطن، ومن سنوات قليلة قبلها، كنت قد نشرت نصوصاً شعرية، عبر الصحف والمجلات، هنا وهناك، وفي منتديات الإنترنت، التي كانت في بداياتها الصاعدة، في السعودية. كان هذا كل رصيدي حينها، ولم تكن معرفتي بعبده تتجاوز الهاتف، وبالطبع قراءاتي لكل ما كان قد أصدره. عرفت وقتها أن عبده سيأتي لمدينتي أبها، مدعواً لأمسية حوارية، في النادي الأدبي الثقافي. اتصلت به على الفور، وقلت له: «عبده، أرجو ألا ترتبط بأحد عقب الأمسية، سأريك هذه المدينة الصغيرة الساحرة». واتفقنا! وبالمناسبة فأبها واحدة من أجمل المدن الجبلية الريفية، ليس السعودية فقط، بل والعربية أيضاً، تعلو عن سطح البحر بحوالي ثلاثة آلاف قدم، مدينة باردة وممطرة، يغمرها الضباب معظم شهور العام، وقلت في نفسي إنها فرصة لأخذ عبده في جولة معتبرة، وإلى أماكن لا يعرفها غير أبناء المكان. جاء يوم الأمسية، وبالفعل.. حين انتهت اعتذر عبده، من جميع الملتفين عليه، للحفاوة به، وخرجنا معاً، في سيارتي. انطلقنا للطريق الدائري، نسميه (الحزام)، وقلت سأريك بداية (أبوخيال)، وهو مكان آسر، يطل على المدينة، من الجهة الجنوبية الغربية، ومن علوّه يمكنك أن ترى الضباب، وهو يعاود هجومه على المدينة ويغمرها في منظر سريالي أخاذ. انطلقنا.. ثم ماذا؟ لم تمضِ سوى خمس دقائق، وأنا أقود السيارة، وأتحدث لـ(أبي وشل)، فلم يجب! التفت.. فإذا بالرجل بالكاد ينطق، وعلى وشك أن يغيب عن الوعي! وعوضاً عن الجولة انطلقت سريعاً لطوارئ أقرب مستشفى، على الباب حمله الممرضون فوراً إلى أجهزة الإنعاش الأولية، قبل أن ينقلوه بأنبوب التغذية، لأحد الأسرة بقسم الطوارئ؛ كي يبقى تحت الملاحظة. لنقضي تلك الليلة كاملة، في حديث لا أجمل منه، كان عبده يشعر بالخجل. ولا أنسى كلمته، معتذراً، وضاحكاً: «يا عبدالله، معلش.. أنا بقايا حرب وأساطير». حاول بكل ما بوسعه ليقنعني بالعودة لبيتي وعائلتي. كان يحلف أنه بخير، ومعتاد على هذه الهبوطات الصحية المفاجئة، فرفضت، وبقيت معه حتى اقتراب موعد رحلته، إلى جدة، ضحى اليوم التالي. أصر على الخروج، على مسؤوليته، ولا تتوقع أنك تستطيع إقناع عبده، حين يقرر فعل شيء، حتى وهو على سرير المرض. خرج، وأخذته للمطار، وغادر! وحتى اليوم ما زلنا، عبده وأنا، نتذاكر أول لقيا ومعرفة، ونقصها على الصحب، ونضحك. أما الموقف نفسه، أي: انهيار عبده صحياً، فسيتكرر بعد سنوات، في مناسبة أخرى، بظروف مختلفة، وسآتي عليه لاحقاً!
بكل حال.. لعبده تاريخ طويل، منذ طفولته، مع الأمراض، والاقتراب من الموت، حتى الحافة، (بين قوسين: لعل هذا يفسر شيئاً من حالة الموت، الحاضرة دوماً، في روايات عبده)، وهو نفسه يحكي أنه، حين كان طفلاً، مرض مرضاً شديداً، أوهنه حتى كاد يقضي، فكانت أمه تضع كامل جسده، في حفرة بحجم طوله، ثم تطمرها بالتراب، حتى ذقنه. ولشهر أو أكثر كانت تعاود وضعه يومياً لساعات، من النهار، بتلك الحفرة، وكانت هذه طريقة شائعة من الطب الشعبي، بمنطقة جيزان، وأماكن أخرى! يتذكر عبده تلك الدفنة اليومية، ويصف كيف حط أحد الطيور على رأسه، يوماً، وكاد ينقر عينيه، دون أن يستطيع هشّه وإبعاده! استعاد الطفل الصغير بعض عافيته بعد مدة، فعمدت أمه لتغيير اسمه إلى «عبده»، فقد كان اسمه الأصل «عبدالرحيم».. كسراً لشؤم أوجاعه، وهذه عادة عربية قديمة، كما هو معلوم!
بعد تلك الليلة القديمة، بأبها، تعمّقت صداقتنا ووصالنا، وكانت تجمعنا الفعاليات الثقافية، من عام لآخر. التقينا مرة في بيروت، ربما كان هذا في بيروت 2004م، وكنت للتو أصدرت مجموعتي الشعرية الأولى (ألهتك). أعطيته نسخة، بابتهاج العمل الأول وطفولته، ولا أنسى حفاوته وفرحه الصادق، وكلامه عن نشوة أول كتاب. قضينا وقتاً كبيراً، في ليالي بيروت السعيدة، حين كنا نأتيها، ولا نغيب عن معارضها، ولا زياراتها لغير ما سبب، تلك السنين، بلا قلق، كان هذا قبل أن تُختطف تلك المدينة الرحبة، بالنزاعات والمليشيا والتصفيات، وينفر منها اللائذون بسعتها، وتستحيل إلى مكان للخوف! كان عدد من أحبابنا؛ المثقفين اللبنانيين، قد غضبوا من أدونيس، حين قال ما فحواه، مع زاهي وهبي؛ إن بيروت كانت مدينةً أفقية، لكنها توقفت عن ذلك! وأظنهم الآن، وبعد الأحوال الحزينة جداً، الراهنة.. يوافقونه!
انتقلت إلى مدينة جدة في أبريل 2006م، ليبدأ زمن هو الأجمل والأقرب، في صداقتي بالغالي والعالي، عبده. تعرفت على مجموعة رائعة من الأصدقاء، من خارج الوسط الثقافي، المرهق أحياناً، نلتقي أسبوعياً، على شغف الطرب، وكرة القدم، بعيداً عن هراء العالم، وسحبت (أبو وشل) إليهم، لمجلسهم. ومن أول لحظة، سلب عبده ألبابهم بعفويته، وطيب الخاطر، وصفو البال والسريرة، وتعمقت صحبته بالمجموعة، حتى السفر، أكثر من مرة، خارج السعودية، وما أعذب السفر معه، هذا النحيل، بعلاته الصحية، يستحيل إلى عافية الرفقة، وطعم الرحلة!
أما عبده وأنا، فمنذ ذلك الوقت، ونحن لا نكاد ننقطع، ولأقل إن هذه المرحلة هي الأوضح، التي اكتشفت فيها إنسان عبده، الداخلي الخرافي، عن كثب، ولا أدري ما أقول عنه ويكفيه، لكنني أؤكد لكم أن أي كلمات سأكتبها، أو وصف أو طبيعة، سأحاول تقريبها لكم، لن تقترب حتى من حقيقة معناه، وكل ما يمكنني قوله هو: إن عبده كينونة مكتملة وباهرة، من الجمال الإنساني، العفوي، الطفولي، الصادق!
تربط عبده علاقة ملائكية، بشقيقتيه الكبيرتين، اللتين يعاملهما كأمه، بعد وفاتها، رحمها الله، فلم يدر لهما ظهره، حتى وهما في بعض كفاية عائلتيهما، بل لم يفتأ يحمل عنهما عنت الأيام، ومكابدات العيش، بلا كلل، ولا منة، أو تباهٍ، وأعرف ما لو قلته، من عنايته بأدق تفاصيلهم، ولو كانتا في غير حاجة، لغضب مني! واسمع عبده، وهو يتحدث إليهما معاً، أو إحداهما، على انفراد، وستسمع سيلاً من الرقة والعاطفة! قلت له مرة: «والله -يا صديقي- وأنت في زحام حياتك هذا، فإنه وفيٌّ وعظيم وصلك هذا بأختيك». قال بنبرة حادة: «ايش تقول! ما لي فضل، هذولا جنتي، أمهاتي بعد أمي».. وهذا تطبيق حي للمثل الرائج، لدى معظم شعوبنا، الذي يدل على مروءات العربي، حيال أهله: «اللي ما فيه خير لأهله.. ما فيه خير للناس».
أما عبده، وعلاقته بأسرته، بزوجته وأبنائه، فهو عائلهم وصديقهم، وعاشقهم، وأبوهم الكبير، من جهة، وهو طفلهم الصغير، من جهات! زوجته، ورفيقة العمر والمشوار، السيدة الفاضلة، والفنانة التشكيلية حنان الجهني. وعبده لا يتوقف عن وصفها بـ«النعمة»، ويضيف: إنها احتملته، واحتملت معه متاعب عمره الشاق.. «ليس بالصبر فحسب، بل بالحب»، بالنسبة لأبنائه فيا لها من علاقة عجيبة، لم أره يوماً يتصرف معهم، أو يخاطبهم، بسلطة الأب، بل بحميمة صديق عمر، وهذا نقل إليهم بعض طبيعته الودودة! قبل أشهر عدة، كنا مدعوّين لمهرجان السينما، في مركز الملك عبدالعزيز (إثراء) في شرقي البلاد، وصعدنا على الرحلة نفسها، من جدة إلى الدمام، وليصادف أن ابنه (معن)، الذي التحق مؤخراً للعمل في الخطوط الجوية السعودية، كان مع ضمن طاقم الملاحة، لتلك الرحلة. كان (معن) يجيء ويروح إلى مقاعدنا باستمرار، طوال التحليق، نمازحه ويسأل عما نحتاجه! في لحظة.. لمحت عيني عبده تترقرقان، وظننت أنني التقطت شعوره حينها، قلت له: «لا تلام، يا صديقي، شيء مؤثر حقاً أن ترى أبناءك، وقد كبروا لهذا الحد! الطفل الذي أنجبته وربيته وكبّرته.. وها هو اليوم يخدمك، على أول رحلة، تجمعكما!». سكت قليلاً، ثم قال: «صحيح، لكنه ليس هذا، يا عبدالله!» وراح يتحدث عن أحلام ابنه، وشغفه بالسينما، التي نحن في الطريق إليها، وتحديداً بفن (الإخراج)، لكن الظروف لم تسعفه، والتزامات الحياة ضاغطة، لا سيما بعد زواجه، ثم رفع رأسه ليرى إن كان ابنه قريباً، وقرب رأسه، وتكلم همساً: «الطيارة مليانة بالشباب المخرجين من جيله وأصدقائه. رحلة صعبة عليّ وعليه، يا عبدالله!». لم أجد ما أعلق به على هذا الشعور الأبوي، شديد الحرارة والحرقة، غير الكلام العادي والمكرور: «فوات الأحلام مؤلم. أفهمك، لكن العمر قدامه، يا صديقي، لا تحزن!». ولم يجب! صمت لدقيقة، ثم بدّل الموضوع، وأخذ يطلق تعليقاته المرحة، ويقهقه. وهذه إحدى عادات عبده، إنه يداوي حرقاته سريعاً بالضحك!
علاقة كبيرة أخرى، وربما هي الأكبر، في قلب عبده وحياته، وهي صلته بابنته الصغيرة والوحيدة (جوى)، وكلما كبرت هذه الفتاة، شديدة الذكاء، تعلق بها عبده أكثر وأكثر، فهي جذوة نفسه، ومرتبة شؤونه، وأمينة سرّه. حين ذهبت جوى للدراسة بفرنسا، كادت روحه تنصرم عليها! ضع اسم هذه الملاك الصغيرة، في أي موضوع، وخذ بعدها من عبده ما تشاء، فقد صارت الطريقة الأخيرة والوحيدة، ليتنازل عبده عن عناداته، لا سيما المراجعات التي تخصّ صحته!
عبده خال.. ابن حارة الهنداوية، في جدة، وهذه الحارة تمثل له كنز العمر، وصلته بها، وبذكرياته وأصدقائه فيها، لا نهاية لها. إنها تكوين طفولته الكبير، ومرتع صباه، وأول شبابه. وهو بالمناسبة يشتغل على راوية بنفس اسمها (الهنداوية)، منذ عشرين عاماً، وإذا سألته: «لماذا لا تكملها وتخرجها؟»، يجيب فوراً، بيقين: «إذا انتهيت منها وأخرجتها.. سأموت».
الحارة نفسها لا يغيب عنها عبده، يعتاد أزقتها، ويلتقي أصدقاءه فيها، من حين لآخر، وسترى حقيقة ارتباط عبده، بهذه الهنداوية العجيبة، في شهر رمضان ستجده ليلياً هناك، على «مركاز» هنا، أو «بسطة» هناك، في تحديات لعبتي حجار «الضومنة»، أو ورقة الكوتشينة «البلوت»، حتى السحور.. وطلعة الشمس أحياناً!
بقي الكثير لأتحدث عنه، لكن هناك ما يجب أن يعرفه القراء.. وهو أحداث معرض الكتاب الدولي، التي كاد يذهب ضحيتها، في تلك الفترة القاتمة، حين كان الظلاميون «المحتسبون» المتطرفون يصولون ويجولون في المعرض، وفي كل البلاد، ما قبل التحول البهيج، الذي تشهده السعودية، برؤيتها العظيمة 2030م، بقيادة الأمير الشاب الرائع ولي العهد محمد بن سلمان، في السنوات الأخيرة، التي خلقت واقعاً مفاجئاً وعظيماً! وإليكم هاتين الحادثتين، من معرض الكتاب، ولكم أن تتخيلوا، بالقياس، ما كان يحدث خارجه، في تلك الحقب المريعة: الأولى.. كنت وعبده، والناقد والأديب د.معجب الزهراني، نتجول في المعرض 2008م، وسمعنا النداء الداخلي بالإعلان عن حفل توقيع للكاتبة السعودية «حليمة مظفر»، فاتجهنا إلى منصتها، دعماً لها، لنفاجأ بعزلها، وعدم السماح للرجال بالاقتراب، بوجود أعضاء من الهيئة، فجادلناهم للحصول على نسخ موقعة. رأتنا الكاتبة من بعيد، فأعطت موظف الأمن النسخ ليسلمها لنا. فقمت بدوري بالتلويح بيدي، وقلت فقط: «شكراً حليمة»، وفي غمضة عين ألقت الهيئة القبض علينا، وأمام الجموع في المعرض قاموا بسحبنا، كالمجرمين، إلى مركز الهيئة، والتهمة «إلقاء التحية على امرأة أجنبية»! لن أتحدث عن نفسي ومكانتي، لكن لك أن تتخيل أن روائياً كبيراً بحجم عبده، وناقداً وأديباً وأستاذاً جامعياً، بموقع د.معجب، نعامل بهذا الشكل المهين! وللتاريخ فإن معالي وزير الثقافة حينها، د.عبدالعزيز خوجه، ظهر تلفزيونياً في حوار مع الأستاذ أحمد عدنان، وقدم اعتذاره لنا، في سابقة محترمة وشجاعة!
الثانية: وهي في العام التالي 2009م، وهي التي ألمحت لها، بداية المقالة، ففي آخر ليلة لعبده في المعرض، كنا معاً كالعادة، وطيلة ما كنا نتنقل بين دور النشر كان المحتسبون المتطرفون يستوقفوننا، ليهاجموا عبده، وهو يرد عليهم، بلا خوف، حتى حينما قررنا مغادرة المعرض، لنذهب للعشاء، لحقوا بنا في الساحة الخارجية، وبضغط أكبر التفوا على عبده مجدداً، يكفرونه ويشتمونه، وتوشك أيديهم بالاعتداء عليه، وهو والله أعمق منهم بألف دهر، إيماناً واعياً وصادقاً وروحانية! بالكاد تخلصنا منهم، ومضينا. بدأ عبده طيلة الطريق للمطعم، ثم الفندق، يشتكي من رأسه، وظنناه صداعاً عادياً! لحظة وصولنا للفندق حاولت إقناعه بتأجيل رحلته، في الفجر، قال «طيب» وذهب كل منا إلى غرفته. والذي حدث -للأسف- أن عبده لم ينم، وفي منتصف الليل ذهب للمطار، وصعد على الرحلة، وصداعه يتضاعف، وهو يكابر ويعاند. وصل إلى جدة، وبمجرد دخوله منزله.. انهار! طلبت عائلته سيارة الإسعاف، ونقلوا عبده إلى المستشفى، فاقداً وعيه بالكامل، ليتضح للأطباء أنه أصيب بجلطة دماغية قاسية، في ذهول كبير، كيف احتمل آلام ذلك الصداع، وتصاعده تدريجياً، ثم كيف استطاع ركوب الطائرة! أفاق (أبو وشل) فاقداً للنطق، كانت الجلطة هناك، لكنه نجا منها بأعجوبة، والأمل أنه سيستعيد بعض لسانه، بمرور الوقت. وما زالت آثارها على نطق عبده، حتى اليوم، ومن يعرفه وانطلاق كلامه قبل الجلطة، يعرف الفارق الكبير بعدها! وباختصار.. كاد الظلاميون يفتكون به، برأسه العالية، لكنه كان وما زال أقوى منهم، ولو مسته بعض ضغينتهم العمياء!
في السنة التالية 2010م أحرز عبده جائزة البوكر، عن روايته الشهيرة (ترمي بشرر)، في إنصاف وعدالة صغيرة، من عدالات القدر القليلة، وكان هذا واحداً من أكبر ردود الحياة على أعدائها، وانتصاراً لواحد من أخلص أبناء معناها وجمالها! لقد كان إعلان فوز عبده، في مكبرات الصوت، في معرض الرياض -المعرض نفسه، الذي كاد يقضي ضحيةً لمهووسيه وتطرفهم- لحظةً مجنونة، أشبه بتسجيل ضربة جزاء حاسمة، في نهائي ساخن، هتف جمهور المعرض كله ليلتها، بصيحة واحدة، حباً واعتداداً بعبده وكتابته، ودوماً أقول لعبده، الذي كان في مسرح الحفل، في مدينة أبوظبي، بالإمارات: «ليتك رأيت ما حدث، يا صديقي، ليتك رأيت! كنت شعرت بالعزاء، لآخر العالم!
وهذه إشارة صغيرة، لأثر عبده، على الكتابة عربياً، وعلينا في السعودية بالأخص، وبالأخص أكثر على الأجيال، التي تلته، فعبده الذي بدأ مستقلاً، عن اختطاف الأيديولوجيات، يساراً ويميناً، كان الحلقة العضوية الواعية والواصلة، بين أجيالنا، نحن الآتين والمنقطعين، من بعده، وبين حركة الأدب في السعودية، منذ نشأتها، وبعيداً عن الانتشار المضاعف، الذي حققته له البوكر، فقد كان عبده خال، وما زال، مثالاً رفيعاً للكدح والتقدم!
أخيراً.. هذه تلويحة قديمة، أعيد بعثها لعبده، حافلاً وفرحاً به:
أتذكر لما قلت لك: إن الليل، ليل هذا الوجود الشاسع، وهو يتمطّى في نواحي الأكوان، ويطلي المجرات بسواده المطلق، بضربة خاطفه، بأدق ريشة، من جناحه الهائج! أتذكر لما قلت لك: إن الليل حين همّ باقتحام مجرتنا العزلاء، لمح بداخلها كوكبنا الأرضي الصغير، يدور حول نفسه، بارتباك حزين، عالقاً في لونه الأزرق، حينها قرر أن يبدأ به، قال: سأعلم كائناته عدّ الليالي والنهارات، وملاحظة النجوم، وأمزجة الخلائق! وقبل أن يفعل أي شيء، رأى ورقةً مطويةً وملقاةً، على أحد جانبي طريق، من الطين، كتبها فتى بالغ النحول، مرقطاً بالأوجاع والأساطير، وهو يحاول أن يبتكر ملامح امرأة مقهورة وأقدارها، في حكاية، لم يكملها بعد.. فكتب إليها: «ماذا يُضيرُ لوْ أنني وجدتكِ صُدفةً، في شبابي، وخرجنا في نزهةِ حبٍّ، ولم نعُد إلا للحودنا، وينتهي الأمر والعمر، في نزهةٍ قصيرة، ربّما كنا خلالها قطفنا العالم، ولهونا به قليلاً، وعدنا للأرض، لنكون سنبلتين متجاورتين. بالله عليكِ ماذا يُضير؟!».
حسناً، يا عبده، أريد أن أقول لك: إنك تكتب، حين تكتب، وكأنك سبقت الليل بخطوة، ورأيت أسى أرضنا البشرية، بوضوحها التراجيدي الأول! وهكذا تلتقط لنا دهشة العالم، يا صديقي، كلما أخذت تشرع في خلق رواية جديدة، فاكتب.. اكتب، وأنقذنا من كوكبنا!
الثقافة و الفن
قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة
تحليل عميق لقصيدة ‘الراحلون’ التي تستكشف مشاعر الفقد والحنين. رحلة أدبية في كيفية تعامل الروح الإنسانية مع الغياب وأثر الراحلين في ذاكرتنا وأحلامنا.
مقدمة: حين يتحدث الشعر عن الفقد
تُعد قصيدة “الراحلون” قطعة أدبية عميقة تغوص في جوهر واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إيلاماً وقوة: تجربة الفقد. بكلمات هادئة وحزينة، ترسم القصيدة لوحة للغياب، ليس كحدث عابر، بل كحالة وجودية مستمرة تؤثر في أرواح من بقوا. إنها تتجاوز الرثاء التقليدي لتقدم تأملاً فلسفياً في طبيعة الرحيل، والأسئلة التي يخلفها، والطريقة التي يستمر بها الراحلون في العيش داخل ذاكرتنا وأحلامنا.
السياق الأدبي: الفقد كثيمة خالدة في الأدب الإنساني
لم يكن موضوع الموت والفقد غريباً على الأدب العالمي، بل هو أحد أعمدته الأساسية. منذ ملحمة جلجامش وبحثه عن الخلود بعد فقدان صديقه أنكيدو، مروراً بمرثيات الخنساء في الشعر العربي التي خلدت أخاها صخراً، وصولاً إلى الأدب الحديث، كان الحزن على الراحلين محركاً للإبداع. تعمل هذه الأعمال الأدبية كمرآة تعكس قلق الإنسان الأزلي تجاه المجهول، وتعتبر وسيلة للتصالح مع حتمية الفناء. تأتي قصيدة “الراحلون” لتنضم إلى هذا التراث الإنساني العظيم، مقدمةً رؤيتها الخاصة لكيفية تفاعل الروح مع الفراغ الذي يتركه الغياب، وكيف يصبح الصمت لغة، والذكرى وطناً.
تحليل القصيدة: رحلة الصمت نحو المجهول
تبدأ القصيدة بوصف دقيق لحالة الرحيل، حيث يختار “حَادي الغِيابِ” أسماءهم بصوت خفيّ. هذا التصوير يمنح الرحيل طابعاً قدرياً لا مفر منه، وكأنهم يسيرون نحو مصيرهم بهدوء العارفين. يتقدمون “كالواثقينَ بسِفْرِ أوهامِ الحَياةِ”، في إشارة إلى إدراكهم لزيف الحياة الفانية مقارنة بالوجود الأبدي الذي يقصدونه. إنهم يغادرون لأن الأرض، بكل اتساعها، ضاقت بأحلامهم ورؤاهم، ولأنهم وجدوا طريقاً غامضاً يعدهم بالعودة إلى “غَيبِ البدايةِ”. هذا الجزء من القصيدة لا يصور الموت كهزيمة، بل كخيار فلسفي أو رحلة حتمية نحو أصل الوجود.
أثر الغياب: الفراغ الذي لا يملؤه إلا الحلم
يكمن التأثير الأكبر للقصيدة في وصفها الدقيق للحالة التي يعيشها الأحياء بعد رحيل أحبائهم. يصف الشاعر كيف أن الراحلين لم يتركوا وراءهم أي رسالة أو تفسير، “لمْ يكتُبوا لقلوبِنا سَطراً وَحِيداً”. هذا الانقطاع يخلق حالة من التيه والتساؤل، ويجعل من “التَّأمُّلُ في التماعاتِ السَّرابِ” الطريق الوحيد لمحاولة الوصل. لكن الأثر الأعمق يتجلى في الجزء الأخير، حيث يعود الراحلون في الأحلام “دُونَ سَابقِ مَوْعِدٍ”. هذه اللقاءات الحلمية، المليئة بالشوق والعناق، هي العزاء الوحيد المتبقي، لكنها مؤقتة وهشة، إذ “يتبخَّرونَ معَ الهَواءِ” عند بزوغ الصباح. هذا التناقض بين كثافة الحضور في الحلم وقسوة الاختفاء في الواقع يجسد ببراعة لوعة الفقد المستمرة، ويؤكد أن أثر الراحلين باقٍ فينا، حتى وإن غابت أجسادهم.
الثقافة و الفن
تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش
اكتشف قراءة معمقة وتحليلية لقصيدة “لست أحفل بالمتاهة” للشاعر الفلسطيني محمود درويش، واستكشف معاني الذاكرة والمنفى والبحث عن الذات في شعره الخالد.
مقدمة: صوت فلسطين الخالد
تُعد قصيدة “لستُ أحفل بالمتاهة” واحدة من الأعمال الشعرية العميقة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يُعتبر رمزاً من رموز الأدب العربي الحديث وصوت القضية الفلسطينية الأبرز في المحافل الدولية. نُشرت هذه القصيدة ضمن أعماله المتأخرة التي شهدت تحولاً في أسلوبه من الخطاب المباشر والمقاوم إلى التأمل الفلسفي والوجودي، حيث يغوص الشاعر في أعماق الذات الإنسانية متجاوزاً حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة، ليلامس هموماً إنسانية عالمية.
في هذه القصيدة، يتناول درويش مفاهيم معقدة مثل المعنى، الذاكرة، المنفى، والبحث عن وطن، ليس فقط ككيان جغرافي، بل كحالة استقرار روحي ونفسي. إنها تمثل مرحلة النضج الفكري التي وصل إليها الشاعر، حيث لم تعد المتاهة (رمز الضياع والتعقيد السياسي) هي شغله الشاغل، بل أصبح همه الأكبر هو البحث عن الخلاص الفردي ومعنى الوجود في ظل الفوضى المحيطة.
نص القصيدة: لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
يَصْطادُكَ المَعْنى
تُحاصِرُكَ القَصيدَةُ
ثُمَّ تَهْرُبُ صَوْبَ ما أَلِفَتْهُ ذَاكِرَةُ الخُطُوبِ
وكُلَّما سَيَّجْتَ ذاكِرَةً تَلَقَّفَكَ البَعيدُ
خُذْ مِنْ ظِلالِكَ خَوفَكَ الواهي
وخُذْ جَمْرَ احْتِمالِكَ
فالظِّلالُ يَخونُها جَسَدٌ طَريدُ
وإذا نَقَشْتَ جُلودَ عُمْرِكَ في العَراءِ المَحْضِ
خُذْ وَطَناً؛
فَإِنَّ العُمْرَ بِيدُ
غَيْباً صَحِبْتُكَ يا نَشيدُ
وكُنْتُ فِيكَ أُرَاوِغُ الفَوضى القَديمَةَ
أو أُرَاوِغُ آخَراً يَرْمي بِأَحْجَارِ النُّبوءَةِ في السِّلالِ
فَفِيمَ تَتْرُكُني وَحِيداً يا نَشِيدُ؟!
سَأَفُكُّ قَيْدَ وِشَايَةٍ عَلِقَتْ بِحَبَّاتِ الرِّياحِ
وأَحْتَمي بالبَابِ والأَقْفَالِ والدُّورِ الكَسيحَةِ
فالوِشَايَةُ سَوْفَ يَحْمِلُها البَرِيدُ
سأقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:
كُنْتُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
قَبْلَ أَنْ تَلِجَ المتاهَةُ دَرْبَنا الليْلِيَّ
ثُمَّ أقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:
لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ
بعد أَنْ كَفَرَ المُرِيدُ
وغداً إذا أَلْقَيْتَ موسيقَاكَ في صَحْراء موحِشَةٍ
تَأَمَّلْ صَوْتَكَ المَبْحوحَ في حُزْنِ الكَمَانِ
وصَوْتَكَ المَبْحوحَ في إيقَاعِ أُغْنِيَةٍ
ورَتِّلْ ما يُحاوِلُهُ الحَزِينُ وما يُحاوِلُهُ السَّعِيدُ
واخْلَعْ نِعَالَكَ قَبْلَ أَنْ تَطَأَ السَّلالِمَ
رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ هَشاشَةٌ
أو رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ رَتابَةٌ
في الحالَتَيْنِ سَلالِمُ المَوْتى تَحِيدُ ولا تَحِيدُ.
الأهمية والسياق: من المقاومة إلى الوجودية
تكمن أهمية هذه القصيدة في أنها تعكس تطور فكر محمود درويش. فبعد عقود من كتابة “شعر المقاومة” الذي ارتبط باسمه، بدأ درويش في استكشاف أبعاد جديدة للوجود الإنساني. “المتاهة” هنا ليست فقط متاهة السياسة والصراع الفلسطيني، بل هي متاهة الحياة نفسها، والبحث عن اليقين في عالم مليء بالشكوك. عندما يقول “لستُ أحفل بالمتاهةِ بعد أن كفر المريد”، فهو يعلن عن حالة من التعب الفلسفي والتحرر من الأيديولوجيات التي لم تعد تقدم إجابات شافية، سواء كانت سياسية أو فكرية.
التأثير العالمي لشعر درويش
لم يكن تأثير محمود درويش محلياً أو إقليمياً فقط، بل امتد ليشمل العالم بأسره. تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية العالمية. لقد نجح درويش في تحويل التجربة الفلسطينية من مجرد قضية سياسية إلى ملحمة إنسانية عن فقدان الوطن والبحث عن الهوية، وهو ما جعل شعره يتردد صداه لدى كل من عانى من الظلم أو شعر بالغربة في هذا العالم. قصائد مثل “لستُ أحفل بالمتاهة” تساهم في ترسيخ هذا البعد العالمي، حيث يجد القارئ من أي ثقافة صدى لمشاعره الخاصة في كلمات الشاعر عن الضياع، الذاكرة، والأمل الخافت.
الثقافة و الفن
إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه
بعد صدور أعماله الكاملة، نستحضر إرث الشاعر السعودي محمد بن زايد الألمعي. قصيدة رثاء مؤثرة تحتفي بمسيرته الأدبية وتأثيره في المشهد الثقافي.
في خطوة ثقافية هامة، صدر ديوان الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعودي الراحل محمد بن زايد الألمعي، ليجمع بين دفتيه مسيرة حافلة بالإبداع والتجديد، ويخلّد إرث واحد من أبرز رواد الحداثة الشعرية في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الإصدار بمثابة تكريم مستحق لقامة أدبية كبيرة، وإعادة إحياء لصوته الشعري الذي ما يزال يتردد صداه في الأوساط الثقافية، خاصة بعد رحيله في عام 2021.
سيرة شاعر ارتبط بأرضه وناسه
يُعد محمد بن زايد الألمعي، ابن منطقة عسير، رمزاً من رموز الشعر السعودي الحديث. انطلقت تجربته من مدينة أبها، التي شكلت فضاءً رئيسياً في نصوصه، حيث استلهم من طبيعتها الخلابة وتراثها العريق وتفاصيل حياة أهلها مادة شعرية فريدة. تميزت قصائده بقدرتها على المزج بين الموروث المحلي والأساليب الشعرية الحديثة، فكان صوته جسراً بين الأصالة والمعاصرة. لم يكن الألمعي مجرد شاعر، بل كان مثقفاً ومشاركاً فاعلاً في المشهد الأدبي، حيث أسهم في إثراء الحراك الثقافي في منطقة الجنوب والمملكة بشكل عام، تاركاً بصمة واضحة في وجدان أجيال من الشعراء والقراء.
أهمية الأعمال الكاملة وتأثيرها الثقافي
إن جمع أعمال الشاعر الألمعي الكاملة في ديوان واحد يمثل حدثاً محورياً للباحثين والنقاد ومحبي الشعر العربي. فهذا الإصدار لا يحفظ فقط نصوصه من الضياع، بل يتيح فرصة لدراسة تجربته الشعرية بشكل متكامل، وتتبع مراحل تطورها وأبعادها الفنية والفكرية. على الصعيد المحلي، يعزز الديوان المكتبة السعودية بعمل مرجعي مهم، ويؤكد على مكانة الألمعي كأحد أعمدة الشعر في البلاد. أما إقليمياً، فيقدم الديوان للقارئ العربي نموذجاً لتجربة شعرية سعودية رائدة نجحت في التعبير عن هويتها المحلية بآفاق إنسانية رحبة، مما يضمن استمرارية حضور الشاعر وتأثيره في ذاكرة الأدب العربي الحديث.
وإلى روحه، وفي ذكرى صدور ديوانه، نُشرت هذه القصيدة التي تستحضر حضوره الدائم:
إلى الشاعر الراحل محمد بن زايد الألمعي، بعد صدور ديوانه الشعري بأعماله الكاملة.
..«فأنتمْ وَوَحْديْ»
ومتْنُ العناقيدِ أمْطَرَ
كان على نَعْشِ ذكرى
نَمَتْ في القلوبِ
فأينعَ منها الوفاءُ
ومدَّدَ ساريةَ الوعدِ
حتى أفاقَ بها النَّسْجُ
والحبُّ
والقامةُ الراحلةْ.
** ما تَزالُ بِنا
راكزاً نبضَ قلبكَ
ذاكَ الذي أتْعَبَتْهُ الدروبُ
وفاضَ به الوجدُ
والشرفةُ الحانيةْْ.
** ما تزالُ بِنا
عند غيماتِ (أبها) التي سَكَنَتْكَ
تُصَبِّحُها بالقصائدِ
ينحَتُك الشعرُ بين ضفائرها
في وجوهِ الصَبِيَّاتِ
في همساتِ القُرى
والفؤادِ المعتّقِ بالوحيِ
والفتنةِ الباقيةْ.
** يا صديقي
كما كنتَ تكتُبُني في البداياتِ
عند تمامِ المساءِ
على رُكْنِ زاويةٍ فاضَ منها الحديثُ
وأطْرَبَها اللحنُ
حيث نُقَلِّبُ أوراقنا
نستقي صوتَ فيروز
نَايَ التهاميِّ
لَكْنَةَ أهلِ القُرَى
واحتمال القصيدةِ
وهي تنوءُ بأوجاعها
في عروقِ الشتاءْ.
** يا صديقيْ الذي أَوْكَلَ العمرَ
حتى تجفِّفَهُ الريحُ
خلف عباءاتها
مثل دفءٍ يُيَمِّمُ أعراسَهُ
رقْصَها المطريَّ
يُهَجِّؤُها نوتةَ القُرْبِ
مُلتَصِقاً
عند سنبلةِ الأمنياتْ.
** يا أبا الطيِّبِينَ الذين نَأَوا
من سراديبِ وَحْشَتِهم
فأناروا ضياءكَ في دربهم
كنتَ واحِدَهُمْ
سَقْفَ أحْرُفِهمْ
عندما سرَّبُوكَ بأسمائهم
وانتهوا بالعزاءِ
كأنَّ المواعيدَ لم يَكْتَمِلْ صيفُها
حوَّلُوا مأتم الغيبِ
سنبلةً للوقوفِ
كما غُرِّبَ الشِّعْرُ بَعْدَكَ
في خيمةِ اليُتْمِ
يلتمسُ العابرينَ
إذا أُدْلِجَتْ روحُهمْ
في بقايا التُّرابْ.
** كيف كنَّا الثلاثةَ
نطوي رِحَالَ الوصولِ
ونَنْقُشُ تلك الحكايا
على دفترِ العُمْرِ
مثل «قصائدنا في الجبلْ»
و قَبْلَ انعتاقِ السؤالِ الغزيرِ
و وَجْهِ السَّفَرْ.
** أعِدْنِيْ إليكَ
وفُتَّ يَبَابِيْ عليكَ
ولا تَطْوِ تلكَ المُتُون الطويلةَ
من حِبْرِ أعماقنا
عندما أفْزَعَتْنَا المساءاتُ
نَسْتَلُّ منها البقاءَ
نُلَوِّنُها بَصَراً مُثْقَلاً بالخيالاتِ
والصفحةِ التالية.
-
التقارير10 ساعات ago
إنجازات القطاعات الحكومية السعودية عام 2025
-
الأخبار المحلية4 أسابيع ago
طقس الرياض: تنبيهات من أمطار غزيرة وأتربة وتوقعات الثلوج
-
التكنولوجيا4 أسابيع ago
جامعة الإمام عبدالرحمن تدمج الذكاء الاصطناعي والمخطوطات النادرة
-
الأخبار المحليةأسبوع واحد ago
الغذاء والدواء تحذر من حليب أطفال نستله الملوث | تفاصيل السحب
-
الأخبار المحلية4 أسابيع ago
طقس السعودية: ثلوج حائل وأمطار الخرج والدلم – تحذيرات الأرصاد
-
الأزياء4 أسابيع ago
أنغام وجينيفر لوبيز بنفس الفستان: مقارنة إطلالة ستيفان رولاند
-
الأخبار المحلية4 أسابيع ago
ثلوج الرياض والقصيم.. تفاصيل الحالة الجوية والمناطق المتأثرة
-
التكنولوجيا4 أسابيع ago
ضوابط الذكاء الاصطناعي بالتعليم السعودي وحماية بيانات الطلاب