الثقافة و الفن
ثورة البودكاست: عودة الصوت في عصر الشاشات وتأثيره الإعلامي
اكتشف كيف أحدث البودكاست ثورة في استهلاك المحتوى، معيداً للصوت مكانته في عالم تهيمن عليه الصور. تحليل لأهميته وتأثيره المتزايد في العالم العربي.
لم يعرف الإنسان زمناً تتدافع فيه الصور بهذه الكثافة كما يعرفه اليوم؛ صور تزدحم أمام عينيه بلا توقف واستئذان، وتقتحم تفاصيل يومه من اللحظة الأولى للاستيقاظ حتى لحظة إغلاق الهواتف ليلاً. هذا التدفق المستمر لا يرهق البصر فقط، بل يرهق الروح أيضاً، حتى بات الضوء نفسه عاجزاً عن أن يمنح الإنسان شعور الاكتفاء. وفي وسط هذا الزخم البصري الصاخب، يحدث ما يبدو كاستيقاظ هادئ: يعود «الصوت» ليحتل مكانه القديم، لا كضجيج جديد، بل كوسيلة أصيلة تستعيد حضورها، كأن العالم يذكّرنا بأن المعنى لا يحتاج دائماً إلى «صورة» كي يتشكل، وأن «الحكاية» حين تُروى بصدقها تصل إلى القلب أسرع من أي مشهد متقن.
ومن هذا العود الثقيل إلى الذات، وُلد فضاءٌ جديد اسمه «البودكاست»؛ كأنّه جزيرةٌ صغيرة تنأى عن ضجيج العالم، تُطِلّ من بين هدير الحداثة لتقول: إنّ الإنسان لا يزال يحتاج إلى كلمة تُلقى في أذنه، لا إلى ضوء يُقذف في عينه. فليس البودكاست امتداداً تقنياً لفنون الصوت فحسب، بل هو استعادة لجوهرٍ ضاع حين تسيّد البصر المشهدَ العالمي. هو التذكير بأن المجتمعات الأولى لم تُبنَ على الصورة، بل على الكلمة الشفوية؛ على الراوي الذي يشقّ الليل بصوته، فيحوّل السكون إلى مخزنٍ للحكايات.
لم يظهر البودكاست من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لإرث طويل من الإعلام الصوتي، وعلى رأسه الراديو الذي شكّل وعي أجيال كاملة. لكن مصطلح ‘بودكاست’ نفسه، الذي نشأ في أوائل الألفية الثانية كنحت لكلمتي ‘iPod’ و’Broadcast’، حمل معه ثورة ديمقراطية. ففي بداياته، كان حكراً على هواة التكنولوجيا، لكن مع انتشار الهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى منصات الاستماع مثل Apple Podcasts وSpotify، تحول إلى ظاهرة عالمية متاحة للجميع، منتجاً ومستهلكاً.
من أجمل ما فعله هذا الفضاء أنه نقل السرد من ضيق الاستوديوهات إلى رحابة العالم. فجأة، صار بإمكان امرأةٍ أن تروي هشاشتها كما لو كانت تهمس لصديقتها؛ وبإمكان شابّ أن يقول ما لم يجد له منبراً حراً للإلقاء ما في ضميره. يكمن سر قوة البودكاست في كسر احتكار صناعة المحتوى، فبينما يتطلب إنتاج الفيديو معدات باهظة، يمكن لأي شخص يمتلك فكرة وميكروفوناً بسيطاً أن يطلق برنامجه الخاص، مما فتح الباب أمام أصوات كانت مهمشة ومواضيع متخصصة لم تكن لتجد لها مكاناً في الإعلام التقليدي.
أمّا الصوت العربي، فقد جاء إلى هذا العالم الجديد محمّلاً برائحة المدن القديمة، ولهجات الأزقة، وذاكرة المجالس التي كانت «الكلمة» فيها سيّدة المساء. لم يأتِ ليقلّد، بل جاء ليعيد ذاته، وليصنع مساحته الخاصة. وقد وجد الشباب العربي في البودكاست متنفساً للتعبير عن هواجسهم وطموحاتهم بلغة تشبههم. فنشأت منصات وشبكات بودكاست عربية متخصصة، مثل ‘صوت’ و’ثمانية’، التي قدمت محتوى عالي الجودة ينافس الإنتاجات العالمية، وساهمت في بناء مجتمعات من المستمعين المتفاعلين حول اهتمامات مشتركة، مما يعزز الحوار الثقافي والفكري في المنطقة.
يمتد تأثير البودكاست إلى تغيير عاداتنا اليومية في استهلاك المعرفة والترفيه. أصبح رفيقاً لنا في رحلاتنا اليومية، أثناء ممارسة الرياضة، أو خلال أداء المهام المنزلية، مستغلاً أوقاتاً كان من الصعب استثمارها بصرياً. وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأ سوق إعلانات البودكاست في النمو إقليمياً، مما يوفر فرصاً جديدة لصناع المحتوى لتحقيق الاستدامة. أما مستقبلاً، فقد نشهد تطوراً نحو تجارب صوتية أكثر تفاعلية وغامرة، معززة بتقنيات مبتكرة.
ربما كانت أعظم هدايا البودكاست لنا أنه ردّ الإنسان إلى صوته، وردّ الصوت إلى مكانه الطبيعي في بناء الوعي. فالصورة قد تُغري، وقد تبهر، لكنها لا تتسلّل إلى الأعماق كما يفعل الصوت. وحده الصوت يستطيع أن يلمس فكرة لم تولد بعد، أن يوقظ ذاكرة كادت تنطفئ، أن يجمع مسافات بعيدة في نبرة واحدة.
الثقافة و الفن
مسلسل الفرنساوي يجمع عمرو يوسف وجمال سليمان لأول مرة
تعرف على تفاصيل مسلسل «الفرنساوي»، أول عمل يجمع النجمين عمرو يوسف وجمال سليمان في دراما تشويقية تدور حول الانتقام والعدالة.
لقاء القمة في «الفرنساوي»: عمرو يوسف وجمال سليمان معًا لأول مرة
أعلنت شركة الإنتاج عن تعاقد النجم السوري الكبير جمال سليمان على المشاركة في بطولة مسلسل «الفرنساوي»، إلى جانب النجم المصري عمرو يوسف. يمثل هذا العمل أول تعاون فني يجمع بين القامتين الكبيرتين، مما أثار حماس الجمهور والنقاد على حد سواء، ومن المقرر عرضه ضمن أعمال الأوف سيزون بعد انتهاء الموسم الرمضاني لعام 2026، وهو ما يمنحه فرصة أكبر للمشاهدة بعيدًا عن زحام المنافسة الرمضانية.
خلفية فنية وتاريخية للنجوم
يأتي هذا التعاون ليجمع بين مدرستين مختلفتين في الأداء؛ فالفنان عمرو يوسف يعد من أبرز نجوم جيله في مصر، وقد بنى شعبية واسعة من خلال أدواره المتنوعة بين الأكشن والدراما الاجتماعية، محققًا نجاحات كبيرة في السينما والتلفزيون. على الجانب الآخر، يُعتبر جمال سليمان أحد أعمدة الدراما السورية والعربية، ويمتلك تاريخًا فنيًا حافلًا بأدوار مركبة وشخصيات أيقونية تركت بصمة واضحة لدى المشاهد العربي، ونجح في تحقيق نجومية واسعة في مصر خلال العقدين الماضيين. هذا المزيج بين خبرة سليمان العريقة وحضور يوسف الجذاب يُتوقع أن ينتج عنه كيمياء فنية فريدة على الشاشة.
تفاصيل القصة والأحداث المشوقة
تدور أحداث المسلسل، المكون من 10 حلقات، في إطار من التشويق والجريمة الممزوجة بالصراع الإنساني. يجسد عمرو يوسف شخصية خالد مشير، المحامي الفاسد الذي يشتهر بلقب «الفرنساوي». تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد مقتل حب حياته، فيقرر التخلي عن فساده والسعي لتحقيق العدالة بأسلوبه الخاص، مدفوعًا برغبة قوية في الانتقام. من المتوقع أن يقدم جمال سليمان دورًا محوريًا ومختلفًا كليًا عن أدواره السابقة، مما يضيف عمقًا للصراع الدرامي. العمل من تأليف وإخراج آدم عبد النصار، ويضم كوكبة من النجوم منهم: أحمد فؤاد سليم، سامي الشيخ، جنا الأشقر، أحمد بهاء، وإنجي كيوان، بالإضافة إلى عدد من ضيوف الشرف.
عودة عمرو يوسف للدراما وأهمية العمل
يعيد مسلسل «الفرنساوي» النجم عمرو يوسف إلى ساحة الدراما التلفزيونية بعد فترة ركز فيها على السينما وحقق نجاحات لافتة، أبرزها في سلسلة أفلام «ولاد رزق» وفيلم «شقو». ورغم مشاركته في مسلسل «الكتيبة 101» عام 2023، إلا أن «الفرنساوي» يمثل عودته القوية لبطولة مسلسل مستقل بذاته. يكتسب العمل أهميته من كونه ينتمي إلى فئة المسلسلات القصيرة التي أصبحت تحظى بشعبية متزايدة، لما تقدمه من قصص مكثفة وإيقاع سريع يجذب المشاهدين، خاصة على المنصات الرقمية.
الثقافة و الفن
طارق القرني والمشهد الثقافي السعودي في رؤية 2030
حوار عميق مع المفكر طارق القرني حول تحولات المشهد الثقافي السعودي، رؤيته للقراءة، الفلسفة، وتأثير المنصات الجديدة في ظل رؤية 2030.
في قلب تحولات متسارعة يشهدها المشهد الثقافي السعودي، يبرز اسم المفكر والباحث طارق بن سعد القرني كصوت فكري يسعى إلى تفكيك المفاهيم وتقديم رؤى عميقة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. لم تكن مسيرته وليدة الصدفة، بل هي نتاج رحلة طويلة مع القراءة والكتابة، وانشغال دؤوب بقضايا اللغة والفكر والإنسان. في هذا الحوار، نتعمق في تجربة القرني الفكرية، ونستكشف رؤيته للمشهد الثقافي المتجدد، وتفاعله مع أسئلته الكبرى.
السياق العام: ثقافة سعودية برؤية جديدة
يأتي هذا الحوار في وقت استثنائي تمر به المملكة العربية السعودية، حيث تشكل الثقافة ركيزة أساسية في رؤية 2030. شهدت السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة في دعم القطاع الثقافي، من خلال تأسيس وزارة الثقافة وهيئاتها المتخصصة، وإطلاق المبادرات والمهرجانات الدولية، مما فتح الباب واسعاً أمام حوارات فكرية ونقاشات عامة كانت محدودة في السابق. هذا المناخ الجديد أتاح لأصوات مثل طارق القرني فرصة أكبر لطرح أفكارها والتأثير في جيل جديد من المثقفين والمهتمين، مما يضفي على آرائه أهمية خاصة في فهم ديناميكيات هذا التحول.
من القراءة الوجودية إلى عوالم اللغة
• كيف تشكّلت علاقتك الأولى بالقراءة والكتابة؟
•• بدأت علاقتي بالقراءة والكتابة منذ الصغر، لكنها لم تكن منضبطة. بعد دخولي الجامعة، أصبت بوعكة صحية ونفسية دفعتني للقراءة لأفهم نفسي وما أشعر به. هنا، تحولت القراءة إلى حالة وجودية وليست مجرد أداة وظيفية؛ أصبحت أقرأ لأجد ذاتي، لا لأحصل على شهادة. تخصصت في اللغة ثم المناهج النقدية، ومنهما انطلقت نحو العلوم الإنسانية لأوسع مداركي. أرى اللغة، كما وصفها هيدغر، “بيت الوجود”، ومنها يتشكل فهمنا للنفس والمجتمع والسياسة والتاريخ. لذا، تحولت اللغة عندي إلى نمط تفكير، لا مجرد أداة خاملة.
• ماذا عن اللحظة المفصلية التي غيّرت مسارك الثقافي؟
•• لا توجد لحظة فارقة محددة. حياتي بسيطة وروتينية، وأنا أنعطف فكرياً حسب ما تقتضيه الأفكار التي أصل إليها. أعتبر العلم حالة وجودية، وبالتالي لا أتردد في تبني الفكرة الأجدر حجاجياً، بشرط ألا تتعارض مع أصولي الثابتة. التغيير بالنسبة لي هو سبيل للتقدم الوجودي.
الكتابة كتحرير وفعل تواصل
• هل تكتب لتقول رأياً؟ أم لتطرح سؤالاً؟
•• أكتب لأحرر فكرة داخلية وأختبر قوتها في الواقع. الكتابة هي استفزاز للفكرة كي تدافع عن جدارتها بالبقاء. إنها وسيلة للتعبير عن توقي للتواصل مع الآخر، ولعبة لغوية أجد فيها نوعاً من الترفيه العقلي.
قراءة في المشهد الثقافي السعودي المعاصر
• كيف تقرأ المشهد الثقافي السعودي اليوم؟
•• المشهد جيد حالياً، وإن كان يميل إلى الكمّ أكثر من الكيف. لكن هذا الكمّ بحد ذاته ظاهرة صحية، فالمشهد يربي نفسه بنفسه، والمتلقي الواعي هو من يختار من يبقى ويستمر. الثقافة بمفهومها الاحترافي لا تزال جديدة على مجتمعنا. نحتاج إلى وقت وتربية ذهنية لننتج ثقافة مميزة بعيداً عن الرغبة في الانتصار الشخصي. بشكل عام، المشهد ينمو بطريقة صحية.
• كثرة المنصات.. هل أضعفت القيمة أم وسّعت التأثير؟
•• كثرة المنصات ظاهرة صحية، والمهم أن تنقح اختياراتها لتتجنب السطحية. تطور هذه المنصات لا يكمن في تقنياتها، بل في تطور عقول القائمين عليها والجمهور. المجتمع يريد أن يحكي، وكل فرد يبحث عن مكانته، فلا بأس من هذا الزخم الذي سيفرز مع الوقت النماذج الأكثر جدارة.
أهمية الحوار الثقافي وتأثيره المجتمعي
تكتسب آراء القرني حول المنصات والنخبوية أهمية بالغة في ظل الانفتاح الإعلامي. إن النقاشات الدائرة اليوم حول هذه القضايا لم تعد محصورة في الصالونات المغلقة، بل أصبحت جزءاً من الحوار العام الذي يشارك فيه آلاف الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الحراك يساهم في رفع مستوى الوعي، وتشجيع التفكير النقدي، وإعادة تشكيل الهوية الثقافية السعودية لتكون أكثر انفتاحاً وتفاعلاً مع العالم. إنها مرحلة حيوية لإنضاج الوعي المجتمعي وتحديد ملامح النخبة الفكرية الجديدة التي ستقود المستقبل.
جدل النخبوية والفلسفة والنقد
• أين تقف من الجدل الدائم حول نخبوية الثقافة وشعبويتها؟
•• أؤمن بديمقراطية المعرفة، وأن من حق كل فرد الحديث بما لا يضر. النخبوية صفة تُطلق على صاحبها لكفاءته ومسؤوليته، وليست وظيفة أو شعاراً لطرد المخالف. المجتمع الواعي هو من يختار نخبه بعناية، والنخبة الحقيقية هي التي تتحمل مسؤولية تقديم الوعي بما يليق بالمجتمع.
• هل حشد المصطلحات الفلسفية دليل على الثقافة؟
•• البحث المعرفي الصحيح يتطلب ذكر الأقوال السابقة للبناء عليها وتقديم رأي جديد مدعوم بالحجج. هذا ليس حشداً، بل منهجية علمية. مجتمعنا اعتاد على الخطاب الأدبي والديني، لذا قد يظن أن كل نقل هو عيب، وهذا غير صحيح في العلوم الإنسانية. المهم هو الالتزام بشروط المعرفة وتقديم ما ينفع العقل المتلقي.
• لماذا أنت ضد ما يسمى “النقد الثقافي”؟
•• لا يوجد علم اسمه “النقد الثقافي”، بل هي “دراسات ثقافية”. النقد علم منطقي له منهجية موضوعية. أما ما يسمى بالنقد الثقافي فهو غالباً ما يكون منطلقاً أيديولوجياً للوصول إلى نتيجة مسبقة، كإصدار أحكام انفعالية مثل “المتنبي شحاذ”. هذا حكم أيديولوجي وليس نقداً تأويلياً علمياً يبحث في فهم الفاعل لفعله.
الثقافة و الفن
كتاب «وأنا بُر وأنا دُخن»: تراث جازان في نص معرفي
قراءة في كتاب عبدالرحمن موكلي «وأنا بُر وأنا دُخن» الذي يحول طبق المرسة الشعبي إلى مدخل أنثروبولوجي عميق لفهم ذاكرة وتراث منطقة جازان الثقافي.
يقدم الكاتب عبدالرحمن موكلي في إصداره الجديد «وأنا بُر وأنا دُخن»، الصادر عن دار أروقة للنشر، عملاً أدبياً فريداً يتجاوز حدود السرد التقليدي. ينطلق موكلي من عنصر بسيط ومألوف في ثقافة منطقة جازان، وهو طبق “المرسة” الشعبي، ليخوض رحلة فكرية وجمالية عميقة، محولاً المطبخ القروي إلى مختبر أنثروبولوجي يقرأ من خلاله الذاكرة، الهوية، والتاريخ الإنساني للمكان.
تُعرف منطقة جازان، الواقعة في جنوب غرب المملكة العربية السعودية، بثرائها الثقافي والتاريخي وتنوعها الجغرافي الفريد. هذا التراث الغني يتجلى بوضوح في موروثها الشفهي، أسواقها الشعبية العريقة كسوق الثلاثاء في صبيا، وفي مطبخها الذي يعكس علاقة الإنسان بالأرض. وفي هذا السياق، لا تُعد “المرسة” مجرد وجبة تتكون من الدقيق والموز والسمن، بل هي رمز للكرم والاجتماع، وطقس من طقوس الحياة اليومية التي تختزن قصص الأمهات والجدات، وتجسد اقتصاد الوفرة والقلة في آن واحد. من هذا المنطلق، يغوص موكلي في هذا العالم ليقدم قراءة ثقافية تتجاوز المذاق إلى الدلالة.
يعتمد المؤلف في سرده على منظور “الأنا الشاهدة”، حيث يستحضر ذكريات طفل يراقب بحذر وحنين ما يدور في فضاء المطبخ. من خلال عيني هذا الطفل، نرى ما هو أبعد من مجرد إعداد الطعام؛ نلمس رائحة التنور الممتزجة بأنفاس المرأة، ونشعر بالقلق الخفي من العوز، ونترقب فرحة العائدين من السوق. ويأتي عنوان الكتاب، المقتبس من عبارة شعبية، “وأنا بُر وأنا دُخن”، ليكثف هذه الرؤية. فالعبارة لا تعني الجاهزية فقط، بل هي إعلان عن هوية متجذرة في الأرض ومنتجاتها، وكيف يعرّف الإنسان ذاته من خلال ما يقتاته، وكيف تصبح حبات القمح والدخن علامات ثقافية دالة على الخصوبة والانتماء.
يمثل الكتاب استجابة عملية وعميقة للدعوات الفكرية الحديثة التي تنادي بضرورة كسر “السجن البلاغي” للأدب وربطه بالعلوم الإنسانية، وتحديداً الأنثروبولوجيا. وكما أشار المفكر العراقي خزعل الماجدي، فإن الأدب بحاجة إلى ثورة تعيده إلى جوهره الإنساني المعيش. يتبنى موكلي هذه الرؤية بجدية، فيتخلى عن الزخارف اللغوية لصالح نثر مكثف ومحمل بالدلالات. التفاصيل الصغيرة، مثل عجين المرسة، وعناقيد الموز، وأسماء الأودية والقرى، تتحول في نصه إلى وثائق ثقافية تكشف عن رؤية مجتمع بأكمله للعالم، وتجعل من الأدب حقلاً معرفياً قادراً على تأويل الحياة اليومية.
يُعد «وأنا بُر وأنا دُخن» حلقة جديدة ومهمة في مشروع موكلي الثقافي لتوثيق وكتابة تراث جازان من منظور معرفي عميق. فبعد أعماله السابقة التي تناولت جوانب دينية وصوفية وتاريخية، ينتقل هنا إلى قلب الحياة اليومية، ليؤكد أن المعرفة لا تكمن في النصوص الكبرى فقط، بل تسكن أيضاً في طقوس الطعام والأسواق والأمثال الشعبية. وبهذا، يقدم الكتاب صورة حقيقية لجازان، بعيداً عن الصور النمطية، كاشفاً عن روحها التي تتجلى في أبسط تفاصيلها، ومؤكداً أن الفلكلور ليس مجرد مادة للزينة، بل هو نص معرفي حي يستحق القراءة والتأويل.
في المحصلة، يتجاوز كتاب «وأنا بُر وأنا دُخن» كونه مجرد سيرة ذاتية أو توثيقاً لفلكلور محلي، ليصبح تجربة فكرية تسائل طبيعة الأدب نفسه. إنه نص يؤسس لعلاقة جديدة بين الأدب والأنثروبولوجيا، ويبرهن كيف يمكن للمطبخ ورائحة الخبز أن تكونا مدخلاً لفهم أعمق طبقات الوعي الإنساني والمخيال الجمعي، مقدماً بذلك عملاً يليق بعمق وأصالة ثقافة جازان.
-
الأخبار المحلية5 أيام agoانهيار أرضي بالرياض: تفاصيل حادث حي الصحافة وجهود الاحتواء
-
الأخبار المحلية6 أيام agoتنفيذ حكم القصاص في مواطن قتل آخر طعنًا بتبوك
-
الثقافة و الفنأسبوع واحد agoرامز جلال في رمضان 2026: تفاصيل برنامج المقلب الدامي
-
الأخبار المحلية7 أيام agoأول حالة ولادة في قطار الرياض: قصة إنسانية بمحطة الأندلس
-
الثقافة و الفن4 أيام agoغياب هيفاء وهبي بالرياض: أزمة صورة أم علاقة متوترة بالإعلام؟
-
الأخبار المحلية4 أيام agoانهيار الرياض: خطط طوارئ لتأمين المياه بعد انكسار خط رئيسي
-
الثقافة و الفن4 أيام agoمسلسل مطبخ المدينة: دراما الصراع والطبقة الوسطى في رمضان
-
الثقافة و الفن4 أيام agoمسلسل كسرة: داود حسين في دراما اجتماعية مؤثرة برمضان
