Connect with us

الثقافة و الفن

جاسم الصحيح: النقد تخلّى عن عباءة الشغف للدراسات الجامعية

حينما كان ظِلُّ جاسم الصحيّح (الشعري)، خليفةً على الجمال، عانقت الشموعُ الدموعَ فأذكت صبابة القصيدة، ورقصت رقصتها

Published

on

حينما كان ظِلُّ جاسم الصحيّح (الشعري)، خليفةً على الجمال، عانقت الشموعُ الدموعَ فأذكت صبابة القصيدة، ورقصت رقصتها العرفانية، فلمّا جنّ عليها الليل، استغاثت بحمائم المجاز النورانية لتكنس عن محيطها العتمة، فطغت كواكب الشعر على ظلام أولمبياد الجسد، وغذّت الأنجمُ المساء بنحيب الأبجدية، فابتنت الملائكة في فضائه أعشاشها، لتستمرئ خيالاته التحليق بذائقتنا في سماء مصيدة الإبداع الفاتن، وهنا حوار موسّع مع الشاعر العربي الأفخم (أبو أحمد)..

• هل القصيدة فكرة أم عاطفة؟

•• هي فكرة ينفذها القلب، وعاطفة يوجهها العقل، فهي بينهما، لا أستطيع أن أقول هي فكرة فقط، ولا عاطفة بمفردها، القصيدة تحويل الفكرة إلى صورة، إلا أن هذه الصورة يجب أن تكون مُبطّنة بعاطفة، وليست صورة جوفاء.

• من أين جاءك إلهام الشعر؟

•• منطلق الشعر عندي شغف، بقراءة الأدب، منذ تفتحت سنابل الوعي على حقل الحياة، وفي طفولتي المبكرة بدأت العلاقة مع الشعر، خصوصاً المناسبات الرثائية في الحسينيات، ولا علاقة للجينات، فلا أبي شاعرٌ ولا جدّي، فأنا أوّل شاعر في العائلة.

• ماذا تعني لك الموهبة الشعرية؟

•• هي هذا الشغف، وهذا الحُبّ للقصيدة، ومن لديه الشغف يمكنه أن يتعلّم (النظم) وحفظ البحور، وتحاول أكثر من مرة، ولكن معنى أن تكون موهوباً، أن تشكّل لغتك الخاصة، وغير الموهوب لا يستطيع تكوين لغة خاصة، ويبقى نسخة مكررة من الآخرين، فالموهبة خلق، هذه اللغة الخاصة والأسلوب الذي لا تشترك فيه مع غيرك.

• من الذي أخذ بيدك من الشغف، إلى الكتابة؟

•• بدأتُ بجهود ذاتية، ثم استشعرتُ ضرورة التواصل والتفاعل مع الآخرين، وعبر المماحكة انتبهتُ لما أحتاجه من التطوير للتجربة.

• ما المؤثر الرئيس في نواتك الشعرية؟

•• تأثرتُ منذ الطفولة باستماعي للمراثي الحسينية، وهناك شعراء كبار، دائماً أقول عنهم لو توجهوا للكتابة للحياة لفاقوا غيرهم، ومنهم السيّد حيدر الحلّي، الذي لو كتب للحياة لعجز أحمد شوقي عن مجاراته، ناهيك عن تخطيه، لكنه انغلق على الأيديولوجيا، فهو شاعر الأيديولوجيا الشيعية بامتياز، بل الأول.

• كيف ترى أثر الحمولات الشعرية على الشعر «فكرية، تسييس، شعارات»؟

•• أنا أعتقدُ أن السياسة تدخل في الشعر، والأيديولوجية، وكل شيء، لكن قدّمه لي شعراً، عبر الأسلوب، فلا تقدمه لي خطابةً، وهنا نتساءل، ما الذي يُميّز الفنّ؟ فأي فنّ علامته الكبرى (الإيحاء) لا يكون مباشراً، فعندما يكون مباشراً يفسد، فالبُعد المجازي في الكتابة الشعرية يمنح القصيدة حضوراً وتميّزاً، فأنا أحياناً أكتبُ في الغزل، وتقتحم النص فكرة سياسية، وهنا تأتي مهارة توظيف المجاز والنأي عن الخطابة والمباشرة.

• ماذا عن الغراميات المكشوفة؟

•• ممكن يستوعبها الشعر، والجنس يدخل في القصيدة؛ لأنه جانب من جوانب تجربة الإنسان، ويظل المهم كيف يتم تقديمه، فقصيدة محمود درويش (يطير الحمام يحط الحمام) قصيدة جنسية بامتياز، إلا أن القارئ لا يشعر بذلك.

• متى شعرتَ بالقلق على القصيدة كونها تمر بأزمة؟

•• أنا أميل وأُرجّح أن يكون الشعر وتكون الثقافة في أزمة، دائماً أنا مع الأزمة لأنه بسببها نتطوّر، فلا ننزعج من كون الأزمة قائمة، ولو لم تكن لأحدثناها (ينبغي أن تكون هناك أزمة) وأن نشعر بأننا في أزمة إبداعية؛ لأنّ الإبداع بلا حدود، والذات متى ما وصلت ماتت.

• ماذا عن شعور البعض باعتلائه القمّة؟

•• لا قمّة للثقافة ولا للإبداع، مهما صعدت أو دنوت انفتح مدار وأفق يستوعب الصعود، والمدارات يشق بعضها بعضاً.

• ألا تنزعج من كثرة الشعراء؟

•• صحيح الشعراء أضعاف مضاعفة مقارنة بأزمنة سابقة، ونكتشف تجارب شابة أحياناً من خلال حسابات التواصل، تصل لدرجة التميّز والفرادة، لكنها تعيش في الظلّ، فهناك عمل واجتهادات، ولا يزال المطلوب منا أكثر وأكثر.

• ما تعليقك على احتكار مجموعة شعراء للأمسيات، وكأنه تنظيم أو «لوبي»؟

•• أعتقد أن هذا الأمر انتهى، الآن وفي ظل شراكات ومبادرات شأن الشريك الأدبي، التي يعتقد البعض أن إطلاقها لإلغاء الأندية الأدبية، وهذا منافٍ للحقيقة، فالثقافة في مقهى شيء جيّد؛ كوننا ننقل الثقافة إلى عالم غير معتاد عليه، لتقريب الفعل الثقافي لرواد ومرتادي المقاهي، إلا أنه يظل للمؤسسات الثقافية روادها، وللمقهى رواده، ولا يوجد مانع من تقديم وجبات ثقافية في مقهى، وهذا لا يعني أننا سنحيل هذا المقهى إلى مصنع لإنتاج الثقافة، فالثقافة لا تُنتج في المقاهي، بل في مراكزها، إلا أن حضور الثقافة في المقهى جميل وتفاعلي.

• لم تجبني عن الشللية؟

•• هي ليست شلليّة في الحقيقة، فالمسؤول عن المقاهي يبحث عن المشاهير، وهذا ليس خطأ الوزارة ولا هيئة الأدب، بل طبيعي لأن صاحب الدعوة يريد أن يحضر أكبر عدد للفعالية، فيدعو الكاتب أو الشاعر المشهور؛ لأنه ضمانة لوفرة الحاضرين، بخلاف الشاعر أو الناقد المغمورين اللذين لا يعرفهما أحد، لن يحضر لهما إلا قلّة ربما.

• وهل ينطبق هذا على زمن ما قبل الشريك الأدبي؟ خصوصاً المسابقات والمعارض والمؤتمرات؟

•• لا شك أن المثقف الذي برز من خلال مسابقة أو جائزة أو للإيمان بشاعريته أو نقده له حظوة في بلد توجيه الدعوة، وهذا طبيعي، وأعترف أنني قدّمت أسماء للوزارة لمثقفين عرب غير مشهورين، لكنني مؤمن بقدراتهم الإبداعية، وتمت دعوتهم بناءً على تزكيتي لهم، ولا أرى عيباً في ذلك، بحكم القُرب، ومهما حاولت الوزارة والهيئة يظل هناك تقصير، ومن حق كل من لم تتم دعوته أن يعبّر عن مشاعره، مع تأكيد أن الوزارة حريصة على أن يأخذ كل مثقف حقه من الحضور.

• ألا ترى أن التكرار مملّ ومُجحف؟

•• عندما وقعنا في خطأ لموسمين منذ انطلاق الشريك الأدبي، جرى الانتباه وتمت المعالجة، فتم تحديد مشاركة الكاتب أو الشاعر لخمس مرات في الموسم الواحد، بحيث تعطى فرصة لآخرين.

• ما العبء الذي تتحمّله بسبب الفوز بالجوائز؟

•• الجوائز تحمّلك مسؤولية وعبئاً، فالواجب أن تدفعك للأمام، والمسؤولية تعني كيفية التعامل مع الجائزة والتكريم، هل يجتاحك طوفان الإعجابات، وتشعر بالوصول، والشعور بالوصول خطر لأنه موت، أم تقوم بترشيد الإعجابات، وتحوّلها إلى ما ينفع الناس، وما ينفع نفسك، بحيث نعمل على تطوير الذات والقدرات وتستشعر المسؤولية أكثر، مع حفظ الحق في أيام معدودة للفرح بما تحقق ثم ينسى ذلك وراء ظهره، ويتوجه للمستقبل، ويتعب على نفسه أكثر، فهي معادلة، لا يحلها إلا الفائز بالجائزة.

• لماذا غاب النقد الأدبي؟

•• أعتقد بحكم تجربتي الشخصية، فأنا حاضر في المشهد الثقافي منذ أربعة عقود، وعايشت فترة النقد، وفترة اهتمام نقاد الصف الأول بالتجارب عبر الصحف والمجلات، وعايشت التحول نحو النقد الثقافي، ولاحظت أن النقد الذي تحظى به المجموعات الشعرية، ينحصر في دراسات وبحوث جامعية للترقية، وقدم دارسون أكثر من عشر دراسات أكاديمية عن شعري، طبعاً تخلى النقد الأدبي القديم النابع من شغف الناقد وحبه للشعر والأدب عن عباءته لدراسات جامعية مفروضة على الباحثين، وهذا شيء خطير، وربما يكون من معطلات عجلة النمو الإبداعي؛ لأن الدراسات الجامعية لا تكفي، كونها هدفاً للشهادة التي يحصل عليها الدارس، بينما النقد المتولّد عن شغف، ومحبة يكون أقرب للشاعر، وللمتلقي ويتم تناوله وتداوله.

• منْ كتب عن تجربتك؟

•• كتب عني النقاد محمد الحرز، ومحمد العبّاس، ومبارك بو بشيت، والأستاذ محمد العلي، واستفدت كثيراً مما كتبوا، وأول مجموعة شعرية (ظلّي خليفتي عليكم) كتب مقدمتها الشاعر محمد العلي، وكانت ثلاثة أرباعها نقداً، رغم الحبّ الذي نكنه لبعضنا، واستفدتُ من نقده، وربما لو كان غيري ما ثبّتها في المقدّمة، وتفاجأ الراحل الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- بمقدمة العلي، وعلّق قائلاً: «أعرفُ أنّ محمد العلي لا يكتب مقدمات»، وأيضاً كتب القصيبي عن الديوان مقالاً في المجلة العربية بعنوان «الأحساءُ تُطلقُ صاروخاً شعريّاً»، وزخرت المقالة التي يبدو عنوانها إطراء بالملاحظات والنقد، وفرحتُ بما كتبه، ويكفيني فخراً أن يتناول تجربتي في بكورها القصيبي والعلي.

• لمن تقرأ؟

•• أنا أقرأ للجميع القصيدة الكلاسيكية والشعر النثري والتفعيلة، ولا بد أن أقرأ يومياً، كما أني أعشق كتب الفلسفة، ومتأثر بالأفكار الفلسفية؛ خصوصاً من الفلاسفة الشعراء ومنهم (فردريك نيتشة)، وأحب قراءة الرواية المثيرة التي تستحق، ومن الرواية التي زلزلتني (موت صغير) لمحمد حسن علوان، وأدهشني توظيفه لمفردات تركية، وكذلك (الديوان الإسبرطي) لعبدالوهاب عيساوي، ولدينا خيمة المتنبي، وهي عبارة عن نادٍ أسسناه وستة شعراء وتبنينا المواهب، نبحث عنهم، ونتسلم القصائد ونقرأها، ونكوّن منها ديواناً، وننسقه ونراجعه ونفحصه، ونعدّل قدر الإمكان بموافقته ورضاه، ثم نحصل على الفسح، ثم نطبعه على حسابنا، ثم نعمل حفلاً تدشينياً للديوان ونقدّم هذا الشاعر للمجتمع، ونقول له، انطلق، وبرنامج (قول على قول) يحتاج مني نحو ثلاثة أشهر من القراءة والإعداد.

• كأنك تتفادى إيراد أسماء الشعراء الذين تقرأ لهم؟

•• بالعكس بداية قراءتي كانت في نهج البلاغة (لابن أبي الحديد) شارح نهج البلاغة، وهو أجزاء عدة، وكل جزء يطعمه بالتاريخ، فكانت قراءة للتاريخ والبلاغة، وكذلك أحببتُ المستطرف في كل فنّ مستظرف، للأبشيهي، وبداية القراءة الشعرية مع المتنبي وأحمد شوقي معاً، فانبنى وجداني بناءً عمودياً، وحتى لو كتبتُ تفعيلة، فهي تخرج تفعيلة عمودية.

• ماذا عن علاقتك بالشعر الشعبي؟

•• أستمتعُ بالقصيدة الشعبية شأن الفصيح، ولا أُفرّق بين الأجناس إلا بالجودة، وأتمنى لو كُتبَ الشعر الشعبي الفائق الجمال بالفُصحى خوفاً عليه من الاندثار، والشاعر فهد عافت خسره الشعر العربي الفصيح، وسليمان المانع كسبه الشعر الشعبي، كما أقرأ لصالح الشادي، والحميدي الثقفي، ومحمد السعيد، فالشعر ماء العطر والصيغ أواني، وإن كان النبطي يعاني صعوبة الفهم والتذوق، في أقطار العربية، فالفصيح العذب أوسع انتشاراً من العذب الشعبي، وأضرب مثالاً بقصيدة محمد عبدالباري (زرقاء اليمامة) تطلب منه في موريتانيا وتطلب في اليمن.

• ما رأيك بغناء قصائدك؟ هل لديك تحفّظ؟

•• بالعكس، الغناء يفتح آفاقاً أوسع لانتشار القصيدة، وغنى لي الفنان عبدالخالق رافعة، بعضاً منها بصورة محدودة، والفنان رامي عبدالله نصاً وطنياً، وطلبت مني وزارة الثقافة نصوصاً، لغنائها في مهرجان مخصص لغناء القصائد الفصيحة.

• كيف ترى مستوى ومستقبل الشاعرات السعوديات؟

•• هناك أسماء حاضرة ورائدة، فوزية أبو خالد من جيل سبقنا، وهي مميزة وبمستوى الشعراء الكبار، إن لم تتفوّق على بعضهم، والشاعرة ثريا العريّض، تفعيلياً، ولدينا شاعرات ولا أحب الدخول في النديّة، منهم حوراء الهميلي، وهيفاء الجبري، واعتدال الذكرالله، ربما لا أتذكّر الجميع، والأهم أن يكون الشعر موجوداً.

• هل لديك طقس كتابي؟

•• أكتب عندما أتأثر بحدث ما، أو فكرة أو أستشرف وأتذكر، وأبدأ بالتأمل وحالة الاستقراء للحُلم، وكلما تعمق التأمل الذي يشبه المعول الذي يكسر صخور اللغة ينبع الماء بتدفق، وتنمو الزهور، وطقسي الهدوء، ولو لم أكن وحدي، ولحظة الكتابة انفصال ذات، وشعور بالعزلة المُنتجة، وأهم شيء عمل القلب والعقل، وينكتب النص دفعة وعلى دفعات، وأشطب وأضيف وأحذف.

• هل أنت شاعر مطبوع أم مصنوع؟

•• الصنعة أكثر، وكما قال أحد الشعراء الأوروبيين «أحاول أن أوهم المُتلقي أني كتبتُ قصيدتي بالفطرة» وهذه الموهبة.

• من أوّل قارئ لنصك؟

•• أنا.

انطلقت شبكة أخبار السعودية أولًا من منصة تويتر عبر الحساب الرسمي @SaudiNews50، وسرعان ما أصبحت واحدة من أبرز المصادر الإخبارية المستقلة في المملكة، بفضل تغطيتها السريعة والموثوقة لأهم الأحداث المحلية والعالمية. ونتيجة للثقة المتزايدة من المتابعين، توسعت الشبكة بإطلاق موقعها الإلكتروني ليكون منصة إخبارية شاملة، تقدم محتوى متجدد في مجالات السياسة، والاقتصاد، والصحة، والتعليم، والفعاليات الوطنية، بأسلوب احترافي يواكب تطلعات الجمهور. تسعى الشبكة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتقديم المعلومة الدقيقة في وقتها، من خلال تغطيات ميدانية وتحليلات معمقة وفريق تحرير متخصص، ما يجعلها وجهة موثوقة لكل من يبحث عن الخبر السعودي أولاً بأول.

Continue Reading

الثقافة و الفن

قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة

تحليل عميق لقصيدة ‘الراحلون’ التي تستكشف مشاعر الفقد والحنين. رحلة أدبية في كيفية تعامل الروح الإنسانية مع الغياب وأثر الراحلين في ذاكرتنا وأحلامنا.

Published

on

قصيدة الراحلون: تأملات في الفقد والغياب والذاكرة

مقدمة: حين يتحدث الشعر عن الفقد

تُعد قصيدة “الراحلون” قطعة أدبية عميقة تغوص في جوهر واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إيلاماً وقوة: تجربة الفقد. بكلمات هادئة وحزينة، ترسم القصيدة لوحة للغياب، ليس كحدث عابر، بل كحالة وجودية مستمرة تؤثر في أرواح من بقوا. إنها تتجاوز الرثاء التقليدي لتقدم تأملاً فلسفياً في طبيعة الرحيل، والأسئلة التي يخلفها، والطريقة التي يستمر بها الراحلون في العيش داخل ذاكرتنا وأحلامنا.

السياق الأدبي: الفقد كثيمة خالدة في الأدب الإنساني

لم يكن موضوع الموت والفقد غريباً على الأدب العالمي، بل هو أحد أعمدته الأساسية. منذ ملحمة جلجامش وبحثه عن الخلود بعد فقدان صديقه أنكيدو، مروراً بمرثيات الخنساء في الشعر العربي التي خلدت أخاها صخراً، وصولاً إلى الأدب الحديث، كان الحزن على الراحلين محركاً للإبداع. تعمل هذه الأعمال الأدبية كمرآة تعكس قلق الإنسان الأزلي تجاه المجهول، وتعتبر وسيلة للتصالح مع حتمية الفناء. تأتي قصيدة “الراحلون” لتنضم إلى هذا التراث الإنساني العظيم، مقدمةً رؤيتها الخاصة لكيفية تفاعل الروح مع الفراغ الذي يتركه الغياب، وكيف يصبح الصمت لغة، والذكرى وطناً.

تحليل القصيدة: رحلة الصمت نحو المجهول

تبدأ القصيدة بوصف دقيق لحالة الرحيل، حيث يختار “حَادي الغِيابِ” أسماءهم بصوت خفيّ. هذا التصوير يمنح الرحيل طابعاً قدرياً لا مفر منه، وكأنهم يسيرون نحو مصيرهم بهدوء العارفين. يتقدمون “كالواثقينَ بسِفْرِ أوهامِ الحَياةِ”، في إشارة إلى إدراكهم لزيف الحياة الفانية مقارنة بالوجود الأبدي الذي يقصدونه. إنهم يغادرون لأن الأرض، بكل اتساعها، ضاقت بأحلامهم ورؤاهم، ولأنهم وجدوا طريقاً غامضاً يعدهم بالعودة إلى “غَيبِ البدايةِ”. هذا الجزء من القصيدة لا يصور الموت كهزيمة، بل كخيار فلسفي أو رحلة حتمية نحو أصل الوجود.

أثر الغياب: الفراغ الذي لا يملؤه إلا الحلم

يكمن التأثير الأكبر للقصيدة في وصفها الدقيق للحالة التي يعيشها الأحياء بعد رحيل أحبائهم. يصف الشاعر كيف أن الراحلين لم يتركوا وراءهم أي رسالة أو تفسير، “لمْ يكتُبوا لقلوبِنا سَطراً وَحِيداً”. هذا الانقطاع يخلق حالة من التيه والتساؤل، ويجعل من “التَّأمُّلُ في التماعاتِ السَّرابِ” الطريق الوحيد لمحاولة الوصل. لكن الأثر الأعمق يتجلى في الجزء الأخير، حيث يعود الراحلون في الأحلام “دُونَ سَابقِ مَوْعِدٍ”. هذه اللقاءات الحلمية، المليئة بالشوق والعناق، هي العزاء الوحيد المتبقي، لكنها مؤقتة وهشة، إذ “يتبخَّرونَ معَ الهَواءِ” عند بزوغ الصباح. هذا التناقض بين كثافة الحضور في الحلم وقسوة الاختفاء في الواقع يجسد ببراعة لوعة الفقد المستمرة، ويؤكد أن أثر الراحلين باقٍ فينا، حتى وإن غابت أجسادهم.

Continue Reading

الثقافة و الفن

تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش

اكتشف قراءة معمقة وتحليلية لقصيدة “لست أحفل بالمتاهة” للشاعر الفلسطيني محمود درويش، واستكشف معاني الذاكرة والمنفى والبحث عن الذات في شعره الخالد.

Published

on

تحليل قصيدة لست أحفل بالمتاهة للشاعر محمود درويش

مقدمة: صوت فلسطين الخالد

تُعد قصيدة “لستُ أحفل بالمتاهة” واحدة من الأعمال الشعرية العميقة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي يُعتبر رمزاً من رموز الأدب العربي الحديث وصوت القضية الفلسطينية الأبرز في المحافل الدولية. نُشرت هذه القصيدة ضمن أعماله المتأخرة التي شهدت تحولاً في أسلوبه من الخطاب المباشر والمقاوم إلى التأمل الفلسفي والوجودي، حيث يغوص الشاعر في أعماق الذات الإنسانية متجاوزاً حدود الجغرافيا والسياسة المباشرة، ليلامس هموماً إنسانية عالمية.

في هذه القصيدة، يتناول درويش مفاهيم معقدة مثل المعنى، الذاكرة، المنفى، والبحث عن وطن، ليس فقط ككيان جغرافي، بل كحالة استقرار روحي ونفسي. إنها تمثل مرحلة النضج الفكري التي وصل إليها الشاعر، حيث لم تعد المتاهة (رمز الضياع والتعقيد السياسي) هي شغله الشاغل، بل أصبح همه الأكبر هو البحث عن الخلاص الفردي ومعنى الوجود في ظل الفوضى المحيطة.

نص القصيدة: لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

يَصْطادُكَ المَعْنى

تُحاصِرُكَ القَصيدَةُ

ثُمَّ تَهْرُبُ صَوْبَ ما أَلِفَتْهُ ذَاكِرَةُ الخُطُوبِ

وكُلَّما سَيَّجْتَ ذاكِرَةً تَلَقَّفَكَ البَعيدُ

خُذْ مِنْ ظِلالِكَ خَوفَكَ الواهي

وخُذْ جَمْرَ احْتِمالِكَ

فالظِّلالُ يَخونُها جَسَدٌ طَريدُ

وإذا نَقَشْتَ جُلودَ عُمْرِكَ في العَراءِ المَحْضِ

خُذْ وَطَناً؛

فَإِنَّ العُمْرَ بِيدُ

غَيْباً صَحِبْتُكَ يا نَشيدُ

وكُنْتُ فِيكَ أُرَاوِغُ الفَوضى القَديمَةَ

أو أُرَاوِغُ آخَراً يَرْمي بِأَحْجَارِ النُّبوءَةِ في السِّلالِ

فَفِيمَ تَتْرُكُني وَحِيداً يا نَشِيدُ؟!

سَأَفُكُّ قَيْدَ وِشَايَةٍ عَلِقَتْ بِحَبَّاتِ الرِّياحِ

وأَحْتَمي بالبَابِ والأَقْفَالِ والدُّورِ الكَسيحَةِ

فالوِشَايَةُ سَوْفَ يَحْمِلُها البَرِيدُ

سأقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:

كُنْتُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

قَبْلَ أَنْ تَلِجَ المتاهَةُ دَرْبَنا الليْلِيَّ

ثُمَّ أقولُ للوجَعِ المُرابِطِ:

لستُ أَحْفَلُ بالمتاهَةِ

بعد أَنْ كَفَرَ المُرِيدُ

وغداً إذا أَلْقَيْتَ موسيقَاكَ في صَحْراء موحِشَةٍ

تَأَمَّلْ صَوْتَكَ المَبْحوحَ في حُزْنِ الكَمَانِ

وصَوْتَكَ المَبْحوحَ في إيقَاعِ أُغْنِيَةٍ

ورَتِّلْ ما يُحاوِلُهُ الحَزِينُ وما يُحاوِلُهُ السَّعِيدُ

واخْلَعْ نِعَالَكَ قَبْلَ أَنْ تَطَأَ السَّلالِمَ

رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ هَشاشَةٌ

أو رُبَّما في وَحْيِ سُلَّمِكَ الشَّحيحِ رَتابَةٌ

في الحالَتَيْنِ سَلالِمُ المَوْتى تَحِيدُ ولا تَحِيدُ.

الأهمية والسياق: من المقاومة إلى الوجودية

تكمن أهمية هذه القصيدة في أنها تعكس تطور فكر محمود درويش. فبعد عقود من كتابة “شعر المقاومة” الذي ارتبط باسمه، بدأ درويش في استكشاف أبعاد جديدة للوجود الإنساني. “المتاهة” هنا ليست فقط متاهة السياسة والصراع الفلسطيني، بل هي متاهة الحياة نفسها، والبحث عن اليقين في عالم مليء بالشكوك. عندما يقول “لستُ أحفل بالمتاهةِ بعد أن كفر المريد”، فهو يعلن عن حالة من التعب الفلسفي والتحرر من الأيديولوجيات التي لم تعد تقدم إجابات شافية، سواء كانت سياسية أو فكرية.

التأثير العالمي لشعر درويش

لم يكن تأثير محمود درويش محلياً أو إقليمياً فقط، بل امتد ليشمل العالم بأسره. تُرجمت أعماله إلى أكثر من 22 لغة، وحصل على العديد من الجوائز الأدبية العالمية. لقد نجح درويش في تحويل التجربة الفلسطينية من مجرد قضية سياسية إلى ملحمة إنسانية عن فقدان الوطن والبحث عن الهوية، وهو ما جعل شعره يتردد صداه لدى كل من عانى من الظلم أو شعر بالغربة في هذا العالم. قصائد مثل “لستُ أحفل بالمتاهة” تساهم في ترسيخ هذا البعد العالمي، حيث يجد القارئ من أي ثقافة صدى لمشاعره الخاصة في كلمات الشاعر عن الضياع، الذاكرة، والأمل الخافت.

Continue Reading

الثقافة و الفن

إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه

بعد صدور أعماله الكاملة، نستحضر إرث الشاعر السعودي محمد بن زايد الألمعي. قصيدة رثاء مؤثرة تحتفي بمسيرته الأدبية وتأثيره في المشهد الثقافي.

Published

on

إرث محمد بن زايد الألمعي: ديوانه الكامل وقصيدة في ذكراه

في خطوة ثقافية هامة، صدر ديوان الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر السعودي الراحل محمد بن زايد الألمعي، ليجمع بين دفتيه مسيرة حافلة بالإبداع والتجديد، ويخلّد إرث واحد من أبرز رواد الحداثة الشعرية في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الإصدار بمثابة تكريم مستحق لقامة أدبية كبيرة، وإعادة إحياء لصوته الشعري الذي ما يزال يتردد صداه في الأوساط الثقافية، خاصة بعد رحيله في عام 2021.

سيرة شاعر ارتبط بأرضه وناسه

يُعد محمد بن زايد الألمعي، ابن منطقة عسير، رمزاً من رموز الشعر السعودي الحديث. انطلقت تجربته من مدينة أبها، التي شكلت فضاءً رئيسياً في نصوصه، حيث استلهم من طبيعتها الخلابة وتراثها العريق وتفاصيل حياة أهلها مادة شعرية فريدة. تميزت قصائده بقدرتها على المزج بين الموروث المحلي والأساليب الشعرية الحديثة، فكان صوته جسراً بين الأصالة والمعاصرة. لم يكن الألمعي مجرد شاعر، بل كان مثقفاً ومشاركاً فاعلاً في المشهد الأدبي، حيث أسهم في إثراء الحراك الثقافي في منطقة الجنوب والمملكة بشكل عام، تاركاً بصمة واضحة في وجدان أجيال من الشعراء والقراء.

أهمية الأعمال الكاملة وتأثيرها الثقافي

إن جمع أعمال الشاعر الألمعي الكاملة في ديوان واحد يمثل حدثاً محورياً للباحثين والنقاد ومحبي الشعر العربي. فهذا الإصدار لا يحفظ فقط نصوصه من الضياع، بل يتيح فرصة لدراسة تجربته الشعرية بشكل متكامل، وتتبع مراحل تطورها وأبعادها الفنية والفكرية. على الصعيد المحلي، يعزز الديوان المكتبة السعودية بعمل مرجعي مهم، ويؤكد على مكانة الألمعي كأحد أعمدة الشعر في البلاد. أما إقليمياً، فيقدم الديوان للقارئ العربي نموذجاً لتجربة شعرية سعودية رائدة نجحت في التعبير عن هويتها المحلية بآفاق إنسانية رحبة، مما يضمن استمرارية حضور الشاعر وتأثيره في ذاكرة الأدب العربي الحديث.

وإلى روحه، وفي ذكرى صدور ديوانه، نُشرت هذه القصيدة التي تستحضر حضوره الدائم:

إلى الشاعر الراحل محمد بن زايد الألمعي، بعد صدور ديوانه الشعري بأعماله الكاملة.

..«فأنتمْ وَوَحْديْ»
ومتْنُ العناقيدِ أمْطَرَ
كان على نَعْشِ ذكرى
نَمَتْ في القلوبِ
فأينعَ منها الوفاءُ
ومدَّدَ ساريةَ الوعدِ
حتى أفاقَ بها النَّسْجُ
والحبُّ
والقامةُ الراحلةْ.

** ما تَزالُ بِنا
راكزاً نبضَ قلبكَ
ذاكَ الذي أتْعَبَتْهُ الدروبُ
وفاضَ به الوجدُ
والشرفةُ الحانيةْْ.

** ما تزالُ بِنا
عند غيماتِ (أبها) التي سَكَنَتْكَ
تُصَبِّحُها بالقصائدِ
ينحَتُك الشعرُ بين ضفائرها
في وجوهِ الصَبِيَّاتِ
في همساتِ القُرى
والفؤادِ المعتّقِ بالوحيِ
والفتنةِ الباقيةْ.

** يا صديقي
كما كنتَ تكتُبُني في البداياتِ
عند تمامِ المساءِ
على رُكْنِ زاويةٍ فاضَ منها الحديثُ
وأطْرَبَها اللحنُ
حيث نُقَلِّبُ أوراقنا
نستقي صوتَ فيروز
نَايَ التهاميِّ
لَكْنَةَ أهلِ القُرَى
واحتمال القصيدةِ
وهي تنوءُ بأوجاعها
في عروقِ الشتاءْ.

** يا صديقيْ الذي أَوْكَلَ العمرَ
حتى تجفِّفَهُ الريحُ
خلف عباءاتها
مثل دفءٍ يُيَمِّمُ أعراسَهُ
رقْصَها المطريَّ
يُهَجِّؤُها نوتةَ القُرْبِ
مُلتَصِقاً
عند سنبلةِ الأمنياتْ.

** يا أبا الطيِّبِينَ الذين نَأَوا
من سراديبِ وَحْشَتِهم
فأناروا ضياءكَ في دربهم
كنتَ واحِدَهُمْ
سَقْفَ أحْرُفِهمْ
عندما سرَّبُوكَ بأسمائهم
وانتهوا بالعزاءِ
كأنَّ المواعيدَ لم يَكْتَمِلْ صيفُها
حوَّلُوا مأتم الغيبِ
سنبلةً للوقوفِ
كما غُرِّبَ الشِّعْرُ بَعْدَكَ
في خيمةِ اليُتْمِ
يلتمسُ العابرينَ
إذا أُدْلِجَتْ روحُهمْ
في بقايا التُّرابْ.

** كيف كنَّا الثلاثةَ
نطوي رِحَالَ الوصولِ
ونَنْقُشُ تلك الحكايا
على دفترِ العُمْرِ
مثل «قصائدنا في الجبلْ»
و قَبْلَ انعتاقِ السؤالِ الغزيرِ
و وَجْهِ السَّفَرْ.

** أعِدْنِيْ إليكَ
وفُتَّ يَبَابِيْ عليكَ
ولا تَطْوِ تلكَ المُتُون الطويلةَ
من حِبْرِ أعماقنا
عندما أفْزَعَتْنَا المساءاتُ
نَسْتَلُّ منها البقاءَ
نُلَوِّنُها بَصَراً مُثْقَلاً بالخيالاتِ
والصفحةِ التالية.

Continue Reading

الأخبار الترند